إذا كان الذكاء الاصطناعي AI قد دخل إلى الكثير من مجالات حياتنا البسيطة والمتوسطة التعقيد. فمن باب أولى أن يدخل أيضاً إلى المجالات المعقدة والمتطورة. كونه انعكاس ونتيجة طبيعية لتطور العلم والتكنولوجيا المرافقة له.
ومع انتشار الأقمار الصناعية حول الكرة الأرضية فإن الذكاء الاصطناعي دخل إلى عالم الاقمار الصناعية. وذلك ابتداءً من صنعها وتطويرها مع تحديد الغايات التي صنعت من أجلها (للبحث العلمي، لأغراض عسكرية، للملاحة، للاتصالات…).
وسوف نتناول اليوم دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الأقمار الصناعية وكيف أثر دخوله إلى هذا المجال. وذلك مع الخوض في التحديات والصعوبات ومن ثم التطرق إلى ما يخبؤه لنا المستقبل في هذا المجال.
نظرة عامة إلى مفهوم الذكاء الاصطناعي في الأقمار الصناعية
بما أن الذكاء الاصطناعي في فرع من فروع هندسة الحواسيب والمعلومات فإنه يهدف إلى تطوير أنظمة قادرة على محاكاة الذكاء البشري. ويساهم الذكاء الاصطناعي في مجال الأقمار الصناعية في تحليل البيانات واتخاذ القرارات بشكل مستقل. فضلاً عن تحسين العمليات المختلفة والتي تتعلق بإطلاق وتشغيل هذه الأقمار ،ومن ثم طريقة التواصل معها واستلام المعلومات والبيانات منها.
وعندما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي في مجال هذه الأقمار، فإننا نقصد أيضاً تكامله مع تقنيات أخرى مثل تعليم الآلة Machine Learning والتعليم العميق Deep .Learning والرؤية الحاسوبية Computer Vision والتي تعلب كها دوراً داعماً للذكاء الاصطناعي في عالم الاقمار الصناعية الشديد التعقيد والذي يتطلب دقة عالية جداً.
التطبيقات الحالية له
1. مراقبة الأرض وتحليل الصور
تتلخص مهام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال في تحليل الصور الواردة له من الأقمار الصناعية بأنواعها المخصصة. والتي تعود للزراعة والموارد الطبيعية والكوارث الطبيعية، وبحيث يتمكن بعد تحليل الصور ومقارنتها مع صور سابقة كثيرة. كما يقوم بمقارنتها مع الأوضاع الطبيعية من رصد أية تغيرات غير طبيعية ولو كانت على المدى الطويل ليصبح قارداً على اكتشاف الكثير من المشاكل. والتي نذكر منها التصحر وحرائق الغابات وتغير مستوى المحيطات بشكل دقيق جداً وضمن الأوقات الحقيقة لحدوث تلك الظواهر.
كما يتمكن الذكاء الاصطناعي وبالتكامل مع تقنية التعليم الآلي بالإضافة إلى ما سبق من تحديد التغيرات في الغطاء النباتي. بالإضافة إلى توزع المياه أو تراكم الثلوج، حيث تعتبر كل تلك الظواهرعاملاً هاماً في مسألة الاستدامة. والتي باتت هاجس الدول والحكومات في سعيها لحماية كوكب الأرض من الترفع الحروري.
2. تحسين الملاحة الفضائية
كما يقوم الذكاء الاصطناعي وبالتعاون مع خوارزميات التعليم الآلي في حساب ومراقبة مسارات الأقمار الصناعية. وبحيث يقدم المساعدة في الحفاظ على مسار كل قمر صناعي فيما يتعلق ببعده وارتفاعه عن سطح الأرض وضمان عدم اصطدامه مع الأقمار الأخرى. أو حتى اقترابه منها لدرجة قد تؤدي إلى حدوث أي خطر أو تشويش بين الإشارات التي يبثها كل منهم.
ويمكن تشبيه هذا المهمة بنظام تحديد المواقع GPS الذي نستخدمه على الكرة الأرضية ولكنه مخصص للفضاء في محيط الأرض. أي أنه يحدد مكان كل قمر ويرصد حركته ويراقب مدى اقترابه أو ابتعاده عن الأقمار الأخرى فضلاً عن رصد أية احتملات لحدوث مشاكل بين تلك الأقمار.
تطبيقات أخرى
3. الصيانة التنبؤية وإدارة الأقمار الصناعية
كما يساهم الذكاء الاصطناعي بمراقبة أداء الأقمار الصناعية وخاصة تلك البعيدة منها عن سطح الأرض. وكنتيجة لعملية مراقبة الأداء فإنه يتمكن من رصد واكتشاف أية أعطال قد تحدث قبل حدوثها وذلك بمقارنة أداء كافة العناصر الداخلة في صناعة القمر الصناعي بمستويات أدائها السابقة والحالية. وليقوم فوراً بالتنبؤ بأي احتمال لحدوث عطل فني مستقبلي يؤثر سلباً على أداء القمر الصناعي. كما يقوم الذكاء الاصطناعي بإعلام القسم الفني المسؤول عن صيانة وتشغيل القمر الصناعي باحتمالات حصول ذلك العطل الفني ليبادر الأخير إلى تلافي المشكلة حيث يمكن أن يتم ذلك عن بُعد
المزيد من التطبيقات
4. التنقيب عن البيانات الفضائية
ومع العدد الهائل من الأقمار الصناعية التي تدور في محيط الأرض والكم الكبير جداً من البيانات التي ترسلها. فإنه من المستحيل على الإنسان العادي معالجة كل تلك البيانات، وهنا يتدخل الذكاء الاصطناعي مجدداً في التنقيب عن البيانات لاستخراج المعلومات القيمة والهامة من كومة البيانات تلك.
ويتعاون الذكاء الاصطناعي مع تقنيات التعليم العميق والشبكات العصبية في تحليل البيانات الفضائية والتعرف على الأنماط التي يعجز عن استيعابها الإنسان العادي. ومن ثم يقوم باستخدام تلك المعلومات في العديد من التطبيقات مثل الطقس والتنبؤ بالكوارث الطبيعية فضلاً عن دراسة المناخ وتغيراته.
5. الاستقلالية الذاتية للأقمار الصناعية
طالما أن القمر الصناعي بعيد عند الأرض ولا يوجد شخص مخصص لقيادته فإنه من الضروري جداً أن يتحلى ذلك القمر الصناعي باستقلالية العمل. والتي تمكنه من اتخاذ القرارات في الوقت الفعلي والمناسب كتعديل مساره تجنباً لاصطدامه بقمر آخر أو حتى أي جسم فضائي مثل النيازك والأجرام السماوية. أو للتكيف مع الظروف البيئية المتغيرة. كما أن استقلالية القمر الصناعي ستكون عاملاً اساسياً في إصلاح الأعطال البسيطة التي قد تطرأ عليه وبشكل ذاتي.
كيف يغير الذكاء الاصطناعي مستقبل الاقمار الصناعية؟
1. تحسين إدارة الموارد الأرضية
يمكن تشبيه وجود أقمار صناعية في محيط الأرض بوجود كاميرات وأجهزة تحسس في مكان معين. حيث تتلخص وظيفتها في رصد ومراقبة وتصوير كل ما يحدث بدقة وبشكل آني. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم بنفس المهمة فيما يتعلق بالأقمار الصناعية وذلك من ناحية تحليل البيانات المستقاة منها للكشف على سبيل المثال عن أنماط الزراعة. بالإضافة إلى التنبؤ بإنتاج المحاصيل الزراعية أو مراقبة توزيع المياه لتحديد المناطق التي تحتاج إلى موارد إضافية. الأمر الذي يساعد الحكومات والشركات على إدارة تلك الموارد بشكل مستدام.
2. مراقبة الفضاء العميق واستكشاف الكواكب
كما يساعد الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الواردة من الاقمار الصناعية والمسابير الفضائية المتواجدة في عمق الفضاء وعلى مسافات كبيرة جداً من كوكب الأرض. وبحيث يقوم نتجية لذلك برصد إمكانيات اكتشاف وجود حياة على تلك الكواكب فضلاً عن تحديد الخصائص البيولوجية لها ودراسة غلافها الجوي. كما يساهم الذكاء الاصطناعي في تسريع عمليات اكتشاف ما يحدث في الفضاء العميق مع المساعدة في تفسيره وتوضيحه.
مجالات أخرى
3. تطوير الأقمار الصناعية الصغيرة والنانوية
ويتم التوجه اليوم نحو الأقمار الصناعية الصغيرة والمدمجة والتي يطلق عليها اسم الأقمار النانوية (من النانومتر) وذلك في سبيل تخفيض تكاليف صنع الأقمار الصناعية العادية والكبيرة الحجم. وهنا يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين أداء تلك الأقمار النانوية عبر تحسين استهلاك الطاقة وإدارة البيانات وتقديم قرارات ذاتية بخصوص التوجيه والمدار حيث يمكن لتلك الأقمار وبفضل الذكاء الاصطناعي أن تقوم بمهام متعددة ومتنوعة من الاتصاات إلى المراقبة وغيرها من المهام.
4. أمن الفضاء ومراقبة الأقمار الصناعية
ومع كل التعقيدات التكنولوجية وكثرة الأقمار الصناعية التي تجوب محيط الأرض، فإن مسألة أمن تلك الأقمار وخاصة المعلومات والبيانات التي ترسلها أمر عالي الخطورة كونه يمكن أن يحتوي على معلومات عسكرية وأمنية تمس أحد البلدان والتي قد تكون على نزاع مع بلد آخر، وهنا يتدخل الذكاء الاصطناعي مجدداً في اكتشاف الأنماط غير الطبيعية في حركة تلك الأقمار ليتمكن من تحديد التهديدات المحتملة فضلاً عن تقديم توصيات حول زيادة عوامل الأمان فيما يتعلق بالبيانات من جهة ورصد واكتشاف أية هجمات سيبرانية محتملة قد تهدد تلك الأقمار.
التحديات المرتبطة بتطبيق الذكاء الاصطناعي في الأقمار الصناعية
1. التعقيد التقني
إذا كان استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات الحياة البسيطة يكلف الكثير من الأموال الأمر الذي يقف عائقاً أمام انتشاره بشكل واسع. فكيف سيكون الأمر مع الأقمار الصناعية وتكاليفها التي تفوق بملايين المرات ما يتم إنفاقه في مجالات أخرى. وهنا يتوجب على الشركات والحكومات التي تعمل في مجال الفضاء أن تستثمر في البحث والتطوير للمساهمة في تبني تلك التقنيات للوصول إلى تحقيق أقصى استفادة منها.
2. الأمان السيبراني والأخلاقيات
هنالك دائماً احتمالات لخرق الأمن السيبراني وحدوث هجمات الكترونية لقراصنة متخصصين في هذا المجال. ويعتبر هذا الأمر ذو خطورة عالية جداً في مجال الأٌقمار الصناعية، حيث يتوجب على الدول والشركات تطوير أنظمة حماية متقدمة لضمان سلامة تلك الأنظمة.
كما أن مشكلة البيانات وخصوصيتها ستطفو على السطح من جديد كونها مشكلة أخلاقية تتعلق بالحفاظ على خصوصية البيانات وعدم هتك تلك الخصوصية وخاصة مع الأقمار الصناعية التس تُستخدم لمراقبة الأفراد أو المناطق دون علمهم.
مستقبل الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية
1. التكامل مع تقنيات أخرى
ومع استمرار التقدم التكنولوجي في الكثير من المجالات، فإنه من المتوقع أن يتعاون الذكاء الاصطناعي مع تقنيات أخرى. مثل انترنت الأشياء IoT حيث يمكن لهذا التعاون أن يفتح آفاقاً جديدة في مجال استكشاف الفضاء بشكل أسرع فضلاً عن إمكانيات ربط الأقمار الصناعية بشبكات واسعة من الأجهزة الأرضية لتحقيق المزيد من التكامل والتنسيق فيما بين بعضها البعض.
2. زيادة التعاون الدولي
ومن باب ضغط التكاليف ومشاركة العلم والمعرفة فإنه من المتوقع أن يزداد التعاون الدولي في مجال الأقمار الصناعية. وبحيث يمكن للشركات والدول أن تتعاون فيما بينها في تطوير وإطلاق الأقمار الصناعية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في سبيل تحسين جودة الحياة على كوكب الأرض.
3. التوسع في التطبيقات التجارية
ولا ننسى الاستخدام التجاري للأقمار الصناعية حيث أنه من المتوقع أن يشهد السوق زيادة في الطلب على الخدمات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. وذلك مثل تحليل البيانات الجغرافية والتنبؤات المناخية والاتصالات حيث ستجني الشركات المزيد من الأرباح من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي فضلاً عن إمكانيات قنصها لفرص تجارية لم تكن متوفرة في السابق.
الخلاصة
وختاماً، فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال الأقمار الصناعية يؤكد الإمكانيات الكبيرة جداً لتلك التقنية. والتي باتت غزواً حقيقاً لا مفر منه لمجالات حياتنا سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر به. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال الأقمار الصناعية فإنه يحقق بذلك قفزات جديدة وإنجازات مهولةً والتي لم تكن لتتحقق فعلياً لولا دخول الذكاء الاصطناعي إليها.

