أولاً لنبدأ بتعريف الاستدامة؛ والتي تسمى بالانجليزي Sustainability. وليكن تعريفنا مبسطاً، يمكن أن نقول أنها باختصار الوصول إلى بيئة نظيفة وخالية من انبعاثات الغازات السامة التي تنفثها المصانع والسيارات والطائرات والسفن في الجو. وهكذا تؤدي بشكل عام إلى رفع درجة حرارة جو الأرض. وبالتالي هذا ما يهدد البقاء للحياة بأكملها على هذا الكوكب. كما وتشمل الاستدامة أيضاً خلو البيئة من التلوث الناجم عن الأمراض والجهل والفقر.
ومن ناحية أخرى، تعتبر الاستدامة هدفاً يجب الوصول إليه بالنسبة للشركات. وذلك كونه أصبح تشريعاً تم اعتماده بين الدول والحكومات، والذي يهدف إلى الوصول إلى هدف عام على مستوى كوكب الأرض. بالإضافة لذلك، لقد دخل الذكاء الاصطناعي AI أيضاً إلى موضوع الاستدامة. كما قدم مساهمات جمة في المساعدة على تحقيقها والتوصل إليها وبدرجات مختلفة تتغير بحسب نسبة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
دور الذكاء الاصطناعي في تحقيق الاستدامة البيئية
1. تحسين كفاءة الطاقة
باتت اليوم الكثير من أنظمة استهلاك الطاقة مدعومة بأنظمة مراقبة دقيقة للاستهلاك. بالإضافة لذلك تقوم تلك الأنظمة، وعلى مدار الساعة؛ بمراقبة استهلاك الطاقة بشكل عام. وهكذا يتم أيضاً مقارنة ذلك الاستهلاك مع الأرقام المتوقعة ومدى تقارب الاستهلاك الفعلي مع تلك الأرقام. ثم بعد ذلك، تقوم تلك الأنظمة بتزويد أنظمة الذكاء الاصطناعي بالبيانات والنتائج لعمليات المراقبة تلك. في النهاية يقوم الأخير بتحسين فعالية استهلاك الطاقة، وذلك عبر تخفيف الإنارة في الأمكنة التي لا تحتاجها أو إيقاف أجهزة التدفئة والتبريد في الأمكنة التي لا يوجد فيها أشخاص حالياً وهكذا.
2. تطوير مصادر الطاقة المتجددة
كما يساهم الذكاء الاصطناعي بتحسين واقع ومردود الطاقات المتجددة. وعلى سبيل المثال نجد الطاقة الشمسية المتولدة من الألواح، أو طاقة الرياح المتولدة من العنفات العمودية الضخمة. كما يتمكن الذكاء الاصطناعي من مراقبة أحوال الطقس بما يشمل الشمس والرياح والغيوم والتنبؤ بها. وبالتالي ليقوم بتوجيه أنظمة التحكم لتلك المحطات بأخذ تدابير احتياطية من ناحية تخزين الطاقة في البطاريات أو إدارة الطلب على تلك الطاقة بما ويتناسب مع الأحوال الجوية الحالية والمتوقعة.
3. مراقبة التلوث البيئي
وبالإضافة لذلك، أيضاً يساهم الذكاء الاصطناعي بمراقبة درجات التلوث البيئي والناجم عن الانبعاثات. فضلاً عن تحديد مصادر ذلك التلوث، وذلك باستخدامه لأجهزة استشعار وحساسات متطورة ودقيقة. والتي يمكن أن تركب في الأقمار الصناعية أو طائرات الاستطلاع بدون طيار. وأيضاً يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل البيانات التي يقرأها من تلك الحساسات ليتمكن من تحديد واقع التلوث ويزود المعنيين بمقترحات للحد منه أو إزالته.
الذكاء الاصطناعي والاستدامة الاجتماعية
1. تحسين الرعاية الصحية
ويمكن للاستدامة أيضاً أن تكون اجتماعية وتهدف إلى التوصل إلى بيئة خالية من الأمراض ومن الجهل أيضاً. فضلاً عن خلوها من التلوث. وهنا، يتدخل الذكاء الاصطناعي مجدداً في نظام الرعاية الصحية. وهكذا يتم ذلك عبر تحليل البيانات الصحية للأفراد، ليقوم كنتيجة لذلك بتقديم تشخيصات دقيقة وسريعة للأمراض. نتيجةً لذلك هذا ما يساهم في تقديم علاجات فعالة، فضلاً عن تقليل الوقت والجهد اللازمين للعلاج. ومن الأمثلة على ذلك قيام الذكاء الاصطناعي بتحليل صور الأشعة البسيطة والمتطورة، للتوصل إلى تحديد إمكانيات وجود أورام خبيثة بدقة أعلى ما يقوم به الأطباء والمختصون.
2. تعزيز التعليم
ومن ناحية أخرى، ومع قيامه بتحليل البيانات الشخصية ومستويات الأداء والذكاء لكل طالب على حدة، يتمكن الذكاء الاصطناعي أيضاً من ابتكار تجربة تعليم وتدريس خاصة بكل طالب. وبحيث تتطابق وتتكامل تلك التجربة مع مستويات الفهم والإدراك لدى ذلك الأخير، فضلاً عن دعم احتياجاته الفردية.
وكنتيجة لذلك، فإن معدلات النجاح سوف تتحسن بالإضافة إلى تقليل الفجوة التعليمية بين الطلاب. كما ويساهم الذكاء الاصطناعي أيضاً في تقديم حلول تعليمية متاحة لجيع الفئات الطلابية؛ حتى أولئك المحرومون منهم من التعليم بسبب ظروف عملهم القسرية.
3. دعم التنمية الاقتصادية
والأهم من ذلك كله، أنه لا يتوقف دور الذكاء الاصطناعي في الاستدامة عند مجال التلوث والمجال الاجتماعي، بل يمتد ليشمل المجال الاقتصادي أيضاً. إذ يساهم الذكاء الاصطناعي في إدارة موارد الشركات بالإضافة إلى تحسين سلاسل التوريد وتقليل الفاقد والهدر للوصول إلى اقتصاد مستدام. كما يساهم الذكاء الاصطناعي في تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من اقتحام الأسواق العالمية عبر تزويدها بحلول رقيمة تتناسب مع الوضع المالي لكل منها.
التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاستدامة
1. الاستهلاك المرتفع للطاقة
ومهما كان الذكاء الاصطناعي ذكياً ومساعداً قوياً، إلا أن هناك دائماً تبعات وتحديات لاستخدامه. والتي قد تكون في بعض الأحيان متضاربة في المصالح والتوجهات مع ما يقوم به الذكاء الاصطناعي نفسه. فعلى سبيل المثال، تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ والتي تتكامل في عملها مع تدريب النماذج الكبيرة مثل الشبكات العصبية العميقة إلى كميات هائلة من الكهرباء لتشغيلها. وهذا ما يتنافى مع مفهوم الاستدامة وتخفيض استهلاك الطاقة، إلا إذا كانت تلك الطاقة متجددة.
2. التفاوت الاقتصادي والاجتماعي
وإضافةً لذلك، تختلف بالتأكيد إمكانيات الدول والحكومات مادياً وفكرياً وعلمياً. وهذا ما يفرض وجود فجوات بين تلك الدول في اعتماد تكتولوجيا الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يعزز من حجم تلك الفجوة ويزيد من هوة التباعد بين تلك الدول. كما أن الاعتماد الكبير على الذكاء الاصطناعي قد يهدد بفقدان الكثير من الوظائف نتيجة لحلوله مكان الإنسان. وبالمثل أيضاً قيامه بمهام أكثر دقة وضمن أزمنة أقل بكثير.
3. القضايا الأخلاقية
وأخيراً، ومهما بلغ الذكاء الاصطناعي من التطور، فإنه يبقى في النتيجة آلة مجردة من المشاعر والقيم والأخلاقيات. إذ قد تقوم خوازمياته بإعطاء نتائج متحيزة بناءً على برمجة متحيزة. على سبيل المثال منح القروض والميزات المالية لفئة دون الأخرى، أو إعطاء أفضليات التوظيف لعرق معين أو ديانة معينة فضلاً عن الأعراق والديانات الأخرى. وهنا يتوجب أن يكون المبرمجون على درجة عالية من النزاهة لتحقيق نتائج نزيهة وخالية من التحيزات.
حلول مقترحة لتعزيز دور الذكاء الاصطناعي في الاستدامة
1. تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي مستدامة
وعلاوة على ذلك، نجد من الأفكار الهامة التي يتم طرحها وتداولها حالياً هي جعل أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها أنظمة مستدامة. بحيث تقوم باستهلاك أقل للطاقة، وتستخدم موارد طبيعية وبكفاءة أكبر. ومن ناحية أخرى يمكن البحث عن أساليب جديدة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، لتستهلك كميات أقل من البيانات ومن الطاقة. أو جعل أنظمة الحواسيب التي تشغل تلك التقنيات أقل استهلاكاً للطاقة عبر زيادة كفاءتها.
2. تعزيز الوصول العادل للتكنولوجيا
وتلافياً للمشكلة الثانية التي تطرقنا إليها والمتعلقة بعدم المساواة في وصول التكنولوجيا، فإنه يمكن حلها عبر تحقيق الاستدامة الجماعية وتعزيز الوصول العادل للتكنولوجيا لكافة الفئات المجتمعية. وذلك من خلال تطبيق برامج تعليمية وتدريبية موجهة للشباب بمن فيهم الفئات المحرومة من التعليم بسبب ظروف حياتهم القسرية. كذلك يمكن دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدول النامية للوصول إلى تلك التكنولوجيا والاستفادة منها.
3. وضع أطر قانونية وأخلاقية
أما أخيراً، من أجل حل المشكلة الثالثة والمتعلقة بالنواحي الأخلاقية، فيمكن عبر وضع أطر قانونية وأخلاقية تضبط استخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. بحيث تكون هذه الأطر شفافة نزيهة وتضمن تحقيق المساءلة عند حدوث نتائج متحيزة نتيجة لاستخدام خوارزميات متحيزة من المبرمجين.
وختاماً، فلقد وصل الذكاء الاصطناعي بتدخله إلى مسألة الاستدامة، والتي تعتبر الهاجس الذي يشغل الدول والحكومات. وتتنوع تلك الاستدامة بين البيئية والاجتماعية والاقتصادية. ورغم مساهماته بشكل فعال في تعزيزها، إلا أن تبعات وتحديات لتطبق العدالة التامة في ذلك. وهنا يبرز دور الحكومات من جديد في إيجاد حلول تنفي تلك التحديات للتوصل إلى تحسينات أكبر لدخول تلك التقنية إلى حياتنا.

