بعد أن تدخل الذكاء الاصطناعي AI في الكثير من جوانب حياتنا من نواحي الخدمات والتقنيات التي يقدمها. وكذلك، دخوله إلى مجالات الصناعة بكافة أنواعها. فضلاً عن اقتحامه مجالات بيوتنا ومكاتبنا. حيث أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم قارداً على التدخل في حياتنا العاطفية ليساعدنا عل العثور على الحب وبناءً علاقات عاطفية مستدامة
وسوف نتناول اليوم دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال العلاقات العاطفية وكيف أثر في هذا الموضوع.
التطور التاريخي لمواعدة الإنترنت
قبل الخوض في دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال اختيار شريك الحياة، لا بد أن نبحث في أصل دخول التكنولوجيا إلى العلاقات الاجتماعية والعاطفية. وللتوضيح فلقد بدأ ما يسمى ببرامج المواعدة عبر الانترنت. ورغم أنها بعيدة عن ثقافتنا في الشرق الأوسط، إلا أنها غزت البلاد ذات الثقافة الغربية.
وبدأت برامج المواعدة عبر الانترنت بسيطة ومتقصرة على بعض المعلومات الأساسية. مثل الصورة والهوايات والعمر والاهتمامات المشتركة. ولكن تلك البرامج تطورت بتقدم التكنولوجيا. حيث بدأت تعتمد على خوارزميات أكثر تعقيداً لتحسين تجربة المستخدم، وتزويده بتوصيات أكثر دقة. وفي النهاية، تكون وكأنها مفصلة له تفصيلاً.
وتطورت برامج المواعدة عبر الانترنت لتصبح متوفرة عبر تطبيقات متوفرة على الهواتف الجوالة. الأمر الذي يعني أنها باتت متاحة لكل من يستخدم تلك الهواتف. وتطورت معها كذلك الخوارزميات التي تقوم بتحليل الطلبات والمواصفات المطلوبة. ومن جهة أخرى، امتدت وتوسعت لتشمل الأنشطة اليومية والتفاعلات الاجتماعية.
ورغم كل ذلك التطور، فإن كافة المعلومات التي تطلبها تلك التطبيقات لا تزال تُدخل يدوياً وبيد المشترك نفسه. الأمر الذي يعني احتملات كبيرة لوجود كذب أو تضليل في تلك المعلومات.
كيف يعمل الذكاء الاصطناعي في اختيار شريك الحياة؟
ومع دخول الذكاء الاصطناعي، فإن المشاكل التي تم ذكرها آنفاً بدأت بالاضمحلال أو الانتهاء. وذلك لأن الذكاء الاصطناعي قدم تحسينات جمة لبرامج المواعدة تلك. والتي تتلخص في بدء اعتماده على تقنيات التعليم الآلي، وتحليل البيانات الكبيرة، بغية التوصل إلى فهم أعمق للمستخدمين.
1. تحليل الشخصية والاهتمامات
يساهم الذكاء الاصطناعي اليوم بتحليل شخصية مستخدمي برامج المواعدة بدقة. حيثما يكون معتمداً على عدة طرق لجمع المعلومات، ودون الطلب من المستخدم أن يقوم بتعبئتها. ويستقي الذكاء الاصطناعي معلوماته من مواقع التواصل الاجتماعي. فهو يرصد الطريقة التي يقوم بها المستخدم بالتعليق على موضوع معين.
وفوق ذلك، يتمكن الذكاء الاصطناعي من رصد المواقع التي يزورها المستخدم. بالإضافة إلى تحليل النمط اللغوي في الرسائل النصية التي يقوم بإرسالها. وفي النهاية، وبعد الاطلاع على كل المعلومات ورصدها، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل شخصية المستخدم الذي يتعامل مع برنامج المواعدة. وهنا يتمكن من تحديد ما يرغب به عاطفياً.
2. تحليل التوافق
وبعد قيام الذكاء الاصطناعي بتحليل شخصية المستخدم بذلك العمق، يقوم بتحليل درجات التوافق بين المستخدم الأول والمستخدم الذي يريد اقتراحه عليه. ولمعرفة درجة التوافق يقوم الذكاء الاصطناعي برصد نوعين من المعايير.
أولها، المعايير التي يمكن وصفها بالسطحية مثل العمر والطول والهوايات لمشتركة.
ومن ناحية أخرى، نجد ثانيها من المعاييرالأخرى، والتي يمكن وصفها بالجوهرية. مثل العوامل التي يمكن أن تؤثر على التوافق العاطفي والعملي بين الشريكين. وتشمل تلك المعلومات أيضاً أهداف الحياة والديانة وغيرها.
3. التعلم المستمر والتخصيص
ومن الميزات التي يتحلى بها الذكاء الاصطناعي هي مقدرته على التعلم من البيانات التي يطلع عليها بمرور الوقت. وعندها يمكن للأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تحسين توصياتها. وذلك عبر تحليلها لكيفية تفاعل المستخدمين مع الشركاء المحتملين.
وعلى سبيل المثال، إذا قام المستخدم بإبداء اهتمامه بنمط معين من الشركاء فإن الذكاء الاصطناعي يتعلم ذلك فوراً ويتمكن من رصده. حيث يبادر إلى تعديل وتحسين نتائج المقترحات بما يتناسب مع الاهتمام الجديد للمستخدم.
التأثير النفسي والاجتماعي للذكاء الاصطناعي في اختيار شريك الحياة
وبما أن الكمال لله عز وجل فإن تطبيقات الذكاء الاصطناعي لن تبلغ الكمال مهما بلغ بها التطور ومهما تقدمت التكنولوجيا. وسوف نسرد هنا التأثيرات النفسية والاجتماعية التي تنجم عن استخدام الذكاء الاصطناعي في اختيار شريك الحياة.
1. التحيزات الخوارزمية
مهما بلغت درجات النزاهة لدى المبرمجين الذين يقومون ببناء منصات المواعدة، فإنه يبقوا بالنتيجة بشر وليسوا معصومين عن الخطأ. وهنا تبزر احتمالات عديدة لأن يقوم هؤلاء المبرمجون بتزويد برامج المواعدة بمعلومات متحيزة لفئة معينة أو عرق معين أو حتى ديانة معينة. وهذا ما سوف ينجم عنه بالتأكيد نتائج متحيزة. حيث يكون ذلك على مبدأ: ما تضعه في القِدر ستراه في المغرفة.
2. تأثير الذكاء الاصطناعي على العلاقات الحقيقية
مهما كانت النتائج التي يقدمها الذكاء الاصطناعي في اختيار شريك الحياة دقيقة مبنية على التوافق الاجتماعي والثقافي، إلا أنها لن تكون دقيقة أبداً. خاصّة فيما يتعلق بالكيمياء والحب الذي ينشأ بين الشريكين. وذلك لأن تلك العوامل لا يمكن قياسها بأي شكل من الأشكال، وتبقى رهينة داخل نفوس الأشخاص فيما يحبون أو يكرهون.
3. فقدان العفوية
مع استخدام الذكاء الاصطناعي في اختيار شريك الحياة، فإنك ستفقد أجمل شيء في تلك المهمة؛ وهو العفوية. فالكثير من علاقات الحب تبدأ من نظرة، وتتطور تلك النظرة إلى إعجاب ثم لا تلبث أن تتقدم العلاقة بين الشريكين لتتحول إلى حب. أما مع استخدام الذكاء الاصطناعي فإن الأمر يكون أشبه بالتعارف التقليدي. والذي يمكن أن يحول العلاقة إلى مسارات محددة سلفاً.
تطبيقات مستقبلية واعدة للذكاء الاصطناعي في اختيار شريك الحياة
وتجنباً لكل تلك المشاكل التي ذكرنها آنفاً، فإنه من المتوقع ألا يقف التطور التكنولوجي مكتوف الأدي أمامها وسوف يسعى جاهداً لتلافيها وإيجاد حلول جذرية لها.
1. تخصيص العلاقات في الوقت الحقيقي
ومن ناحية أخرى، سوف يتمكن الذكاء الاصطناعي من رصد الحالة الحالية والحقيقية للمستخدم. ومن ثم، يتم القيام بتحليلها، ليصبح قادراً على تقديم مقترحات وتوصيات تتناسب مع الحالة التي يمر بها أو يعيشها ذلك المستخدم. فعلى سبيل المثال، إذا كان المستخدم يمر بحالة إحباط أو قلق يمكن أن يقترح له شريكاً من النوع الذي يبرع في احتواء تلك الحالات ومعالجتها.
2. الواقع الافتراضي والواقع المعزز
كما أنه من المتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي وبالتعاون مع تقنية الواقع الافتراضي VR من تأمين تجربة مواعدة افتراضية قبل بدء التجربة الحقيقة.
ويتم استخدام نموذج افتراضي مع تجربة المواعدة الافتراضية، وبحيث يتمكن المستخدم من خوض تلك المواعدة افتراضياً. ليقوم عندها الذكاء الاصطناعي برصد ردود أوفعاله ومدى تفاعله وانسجامه مع تلك الشخصية الافتراضية. وهكذا، يقوم باتخاذ القرار فيما إذا كانت الشخصية الحقيقة المتوافقة ستناسبه أم لا.
التحديات الأخلاقية والمجتمعية
طالما أننا نتعامل مع الذكاء الاصطناعي، فهنالك دائماً تحديات ومشاكل وصعوبات والتي سوف نتطرق إليها الآن.
1. الخصوصية وحماية البيانات
هذه هي المشكلة الأساسية التي تعاني منها كافة تطبيقات الذكاء الاصطناعي. حيث هي ليست قابلة للحل الجذري، لأنها المحور الأساسي لعمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي بمختلف أنواعها. ولكن يمكن وضع ضوابط للتحكم بها من حيث سن تشريعات وقوانين تضمن عدم استخدام تلك البيانات إلا للغاية التي تم جمعها من أجلها.
2. التحكم البشري والاعتماد الزائد على التكنولوجيا
كما أن هناك مخاوف حقيقية وفعلية من أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا في اختيار شريك الحياة سيقلل الدور البشري في هذه العملية التي تعتبر حجر الأساس لاستمرار البشرية والذرية. ومن المهم جداً لاستمرار تلك الذرية أن يتم إقامة العلاقات العاطفية واختيار شريك الحياة بشكل واعٍ وحقيقي بدلاً من الاعتماد على التكنولوجيا.
وختاماً، فلقد دخل الذكاء الاصطناعي إلى مجال العلاقات العاطفية واخيار شريك الحياة وقدم تسهيلات جمة في هذا المجال، والتي تجاوزت ما كانت تقدمه برامج وتطبيقات المواعدة القديمة. وفي النهاية، إن كل ذلك التطور لن يحقق علاقات اجتماعية صحية وصحيحة ولن يتمكن من رصد حالات الحب بين الشريكين والكيمياء التي تنشأ بينهم وشعلة الإعجاب التي تثور عند أول لقاء.

