اقتحم الذكاء الاصطناعي AI الكثير من مجالات الحياة والمِهن التي توجد بها، ومن بين تلك المِهن نجد هندسة الديكور والمساحات الداخلية، حيث ساهم الذكاء الاصطناعي بشكل مبتكر وفعال في تقديم المعونة للمهندسين المختصين ووفر عنهم الكثير من الأعباء فيما يتعلق بالوقت والجهد فضلاً عن إمكانياته في تقديم مقترحات فنية وتصميمية لم تكن لتخطر ببال البشر.
وسوف نتناول اليوم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي على هندسة الديكور مع استعراض التطبيقات المتاحة في تصميم المساحات واختيار مواد الإكساء والديكور وتحليل الاتجاهات وأخيراً تحسين تجربة العملاء.
تصميم المساحات وتخطيطها
1. تخطيط المساحات
يكفي أن يقوم المهندس بتزويد تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالمساحة المُراد إجراء تصميم داخلي أو ديكور مميز لها، وسوف يقوم الذكاء الاصطناعي بتخطيط المساحة المقترحة عليه وذلك بالاعتماد على الخوارزميات التي تقوم بتحليل تلك المساحة أو الحيز وبشكل يتماشى مع ما يطلبه الزبون أو صاحب المشروع من جهة، فضلاً عن تقديم مقترحات تصميمية أخرى تزيد من الخيارات المتاحة للزبون وتُطعي جمالية مختلفة لما قد يكون في ذهنه.
وفي كلتا الحالتين فإن الذكاء الاصطناعي يقدم توزيعاً أمثل للمفروشات وتضمن مقترحاته تدفقاً أكثر راحة للحركة داخل تلك المساحة أو الحيز ودخولاً مناسباً للإنارة الخارجية بحيث يكون كافياً وغير مبهر.
2. الواقع المعزز AR والواقع الافتراضي VR
ولكي نصل إلى مرحلة الاقتناع التام للزبون فلا بد أن نجعله يعيش التجربة افتراضياً، وهنا يأتي دور التقنيات التي تتكامل في عملها مع الذكاء الاصطناعي مثل الواقع والمعزز والواقع الافتراضي، حيث يمكن للزبون مع تقنية الواقع الافتراضي وبعد ارتدائه للنظارة الخاصة بتلك التقنية من معاينة التصميم بكافة تفاصيله وألوانه بشكل افتراضي وبحيث يشعر بأنه فعلاً بداخله ويتفاعل معه في أدق تفاصيله الأمر الذي سيولد لديه القناعة به أو رفضه.
أو حتى طلب تعديلات عليه وفق ما يراه مناسباً لطريقة معيشته أو استخدامه له. وهذا ما سوف يخفف لاحقاً من صعوبة التغييرات التي من الممكن أن يطلبها الزبون لاحقاً.
اختيار المواد والألوان
1. توصيات الذكاء الاصطناعي للمواد
لنفترض مثلاً أن الزبون يريد تصميم مكاتب للشركة التي يمتلكها ولقد قام بتحديد المطلوب من ناحية توجه وطريقه استخدام تلك المكاتب والميزانية المرصودة لتلك التعملية بأكملها. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي مجدداً حيث يقوم باختيار المواد المناسبة لذلك المشروع وذلك بالاستعانة بالبيانات الهائلة المخزنة في قواعد البيانات لديه.
وتحتوي قواعد البيانات تلك معلومات هامة جداً مثل طبيعة ومنشأ المواد، وأسعارها، وأنماطها، ومدى توفرها في الأسواق، ثم يقوم بعد ذلك بتقديم التوصيات والمقترحات التي تتناسب مع ما يطلبه الزبون وهذا ما يوفر الكثير من الوقت والجهد على مهندس الديكور من جهة فضلاً عن توفير المال على صاحب المشروع من جهة أخرى.
2. تحليل الألوان وتناسقها
بفضل اطلاع الذكاء الاصطناعي على قواعد البيانات الضخمة المتوفرة لديه، فإنه يستطيع أن يقدم تصاميم بألوان متميزة ومتناسقة فيما بين بعضها البعض وذلك عبر تحليل الاتجاهات السائدة والموضات الدارجة في التصاميم مع مراعاة توجه المكان الذي يقوم باقتراح التصميم له سواءً أكان ذلك المكان مكاتب عمل في الشركة أو غرفة للرئيس التنفيذي أو رئيس مجلس الإدارة، أو منزلاً عصرياً، أو مطبخاً في منزل، أو حتى غرفاً خاصة للجلوس أو الطعام أو النوم.
ويأخذ الذكاء الاصطناعي بعين الاعتبار دخول الضوء الخارجي إلى داخل الحيز الذي يقترح تصميماً له أو مدى انعكاس وتأثير الضوء الداخلي وتأثير كلاً من هذين الضوئين على المساحات وبشكل يبرز جمال التصميم بشكل متميز.
تحليل الاتجاهات والتوقعات المستقبلية
1. تحليل البيانات الضخمة والاتجاهات
ولا يكتفي الذكاء الاصطناعي باقتراح التصاميم وفق رغبات الزبائن فقط، بل إنه يقوم وبشكل دائم بتحديث وتطوير قواعد البيانات التي يعتمد عليها ليبقى مواكباً وبشكل دائم لأحدث الموضات والتوجهات السائدة والتطلعات المستقبلية في هذا القطاع من الهندسة.
ويتمكن الذكاء الاصطناعي من تطوير وإغناء قاعدة بياناته من خلال اطلاعه على على منصات التواصل الاجتماعي والمعارض المتخصصة بالتصاميم الداخلية والمجلات التخصصية في هذا المجال. إن هذا التحديث المستمر لقاعدة البيانات يمكّن مهندسي الديكور من البقاء على اطلاع دائم على أحدث ما تم تقديمه في هذا المجال.
2. التنبؤ بتفضيلات الزبائن
عندما يقوم مهندس الديكور بطلب مقترح تصميمي من الذكاء الاصطناعي، فإن الذكاء الاصطناعي يطلب المزيد من المعلومات (غير توجه المبنى والميزانية وغيرها..) وتكون هذه المعلومات شخصية وتتعلق بعمر الزبون ونمط حياته والتفضيلات التي يرغب بها.
وهنا يقوم الذكاء الاصطناعي أيضاً بأخذ تلك العوامل بعين الاعتبار قبل تقديم المقترح التصميمي كونه بات مطلعاً على البيانات الشخصية للزبون وأصبح يعرف بدقة ما هي اختياراته السابقة وما يفضله من تصاميم وهذا ما يصب في مصلحة نجاح التصميم.
تحسين تجربة العملاء
1. التطبيقات التفاعلية للذكاء الاصطناعي
ولمن لا يريدون التعامل مع مهندس الديكور على الأقل في البداية وقبل اتخاذ القرار بخصوص تصميم معين، فإنهم سيجدون ضالتهم المنشودة في التطبيقات الخاصة التفاعلية والمعتمدة على الذكاء الاصطناعي والتي توفرها العديد من الشركات.
وتسمح تلك التطبيقات للعملاء بإدخال طلباتهم التي تتعلق بالمساحة واحتياجاتهم داخل تلك المساحة وتفضيلاتهم لما يتوفر فيها من خيارات ليقوم تطبيق الذكاء الاصطناعي بتوليد تصاميم خاصة بما يتوافق مع تلك المعلومات، كما يعطي الذكاء الاصطناعي الإمكانية للزبون لتغيير الألوان واختيار المفروشات وذلك عبر واجهة سهلة الاستخدام ولعل هذه التجربة هي من أكثر الأمور متعة للزبون وخاصة إذا كانت معه زوجته.
2. المساعدة الافتراضية
ولنفترض أن الزبون قد أدخل مقترحاته ومن ثم قام بعدة طلبات تعديل عليها وذلك حتى يزوده الذكاء الاصطناعي بالتصميم النهائي الذي سيعتمده. وهنا يأتي دور المساعدات الافتراضية والتي من شأنها أن تجيب على تساؤلات الزبون فيما يتعلق بالمواد والمنتجات التي سيتم استخدامها في تطبيق ذلك التصميم مع تقديم توصيات أيضاً ومعلومات تتعلق بالوقت المتوقع لتنفيذ المشروع من قبل مكتب التصميم، وهذا ما يساهم في تحسين كفاءة وسلاسة العمل داخل ذلك المكتب.
الاستدامة والتصميم الأخضر
1. تحسين الاستدامة باستخدام الذكاء الاصطناعي
بتنا مؤخراً نسمع كثيراً بمصطلح “الاستدامة” والذي يركز على تخفيض الانبعاثات من غاز ثاني أوكسيد الكربون إلى حدودها الدنيا وذلك بسبب المشاكل الهائلة التي بدأت تحصل على كوكب الأرض جراء ارتفاع نسب تلك الانبعاثات.
وهنا يتدخل الذكاء الاصطناعي أيضاً في تقديم تصاميم صديقة للبيئة وتحقق الاستدامة وذلك على سبيل المثال من خلال قيامه بحساب تأثير الكربون عند استخدام مواد معينة وقيامه باقتراح مواد بديلة أقل تأثيراً على البيئة.
2. إعادة التدوير
ومتابعة لموضوع الاستدامة، يقوم الذكاء الاصطناعي خلال تقديمه المقترحات التصميمية على اقتراح مواد للتنفيذ تكون إما صديقة للبيئة من أصلها، أو يمكن أو تم إعادة تدويرها من مواد أخرى، وهذا ما يصب أيضاً في مصلحة الاستدامة وتوفير بيئة نظيفة وصحية للكوكب الذي نعيش فيه جميعاً.
التحديات والفرص المستقبلية
1. التحديات
لعل من أبرز تلك التحديات في عالمنا العربي هي موضوع الثقافات والعادات والتقاليد، إذ أن كافة تطبيقات الذكاء الاصطناعي ذات منشأ غربي وبالتالي فإن كافة قواعد البيانات المتواجدة فيها والتي تغذي خوارزميات الذكاء الاصطناعي تم بناؤها من تلك المجتمعات وما تم تطبيقه فيها وهذا ما قد يتنافي مع ثقافات وتقاليد شعوب المنطقة العربية.
كما أن اطلاع الذكاء الاصطناعي على الكميات الهائلة من البيانات وخاصة تلك المتعلقة بالأفراد يعرض خصوصية هؤلاء الأفراد للكشف وهذا ما لا يتناسب أيضاً مع ضروريات الخصوصية ومتطلباتها.
2. المستقبل
ومع تطور العلوم وظهور ابتكارات تكنولوجية جديدة فإنه من المتوقع أن نشهد في المستقبل القريب منصات خاصة للتفاعل بين المصممين والزبائن وبحيث يتم من خلالها تبادل الآراء والمقترحات، كما أنه من المتوقع أن تشهد تقنيات الواقع المعزز والواقع الافتراضي انغماساً أكبر في هذا المجال لما يوفره لاحقاً من عناء وتكاليف تغيير وتعديل التصاميم فضلاً عن اقتراح تصاميم غير تقليدية ومبتكرة.
وختاماً، فلقد برع الذكاء الاصطناعي في مجال هندسة الديكور أيضاً ولن ننتظر طويلاً قبل أن نجد أنه قد اقتحم حياتنا من دون أن نشعر بذلك. ويساهم الذكاء الاصطناعي في هندسة الديكور بشكل فعال بدءً من التصاميم المقترحة، ومروراً بإمكانيات التفاعل معها عبر تقنيات الواقع الافتراضي ووصولاً إلى اقتراح تصاميم بمواد صديقة للبيئة أو تم إعادة تدويرها وذلك للتوصل إلى استدامة أعلى وحماية أكبر لكوكب الأرض الذي يعتبر ملاذاً ومأوى لأكثر من ثمانية مليارات شخص.

