الذكاء الاصطناعي والهندسة المعمارية

أكتوبر 5, 2024الذكاء الاصطناعي

© images: netcarshow.com

تُعتبر العمارة فرعاً من فروع الهندسة. بينما يُصر آخرون على أنها فن ويطلقون تسمية Architect .على المعماري لأنه برأيهم فنان ويجب أن تكون لديه موهبة ربانية، بخلاف باقي الهندسات التي تعتمد على التعلم والممارسة.

وبغض النظر عن ماهية الهندسة المعمارية؛ فلقد ساهم الذكاء الاصطناعي في تطورها بشكل سريع. حيث بات بإمكانه أن يسهم في تحسين الكفاءة والدقة، فضلاً عن بلوغ الإبداع والمواهب الفنية المغروسة في أعماق المعماريين. وسوف نتناول اليوم تأثير الذكاء الاصطناعي على الهندسة المعمارية في كل من جوانب التصميم والبناء والتشغيل.

الذكاء الاصطناعي والهندسة المعمارية

التصميم المعماري بمساعدة الذكاء الاصطناعي

 

1. تحسين التصاميم الأولية
يعتمد المعاريون على تصاميم مبدئية (سكتشات)، والتي يتم رسمها باليد، ولكنها هي التي تحتاج إلى وقت وجهد من المعماري. وذلك لأنه يستخرج فيها عُصارة خبرته وموهبته، من أجل أن يعرضها على صاحب المشروع أو رب العمل لأخذ الموافقة. ويبدأ دور الذكاء الاصطناعي من إعداد أو رسم تلك السكتشات الأولية، ومن ثم يتابع بمد يد العون في تحليل متطلبات المشروع والمعايير البيئية المرافقة له، وكذلك المساحات المتاحة. إذ يقوم بتقديم أكثر من سكتش أولي ليتم عرضها على أصحاب القرار لاختيار الأنسب منها.

2. التحليل البيئي
أيضاً يساهم الذكاء الاصطناعي أيضاً في عملية التحليل البيئي، وهي التي تندرج تحتها عوامل كثيرة. ومن الأمثلة عنها نجد الضوء، والرياح، والأصوات والتضاريس والحرارة. ليقدم نتيجة لعملية التحليل تلك متقرحات تتعلق بتحسين التصاميم من حيث الراحة البيئية من جهة، والاستدامة من جهة أخرى. وكذلك يساعد هذا الأمر بشكل فعال في الحصول على أبنية صديقة للبيئة، فضلاً عن إمكانيتها تأمين بيئة مريحة للعيش وصحية لمن يقطن البناء.

3. توليد الأشكال المعقدة
يقدم الذكاء الاصطناعي بالتكامل مع تقنية التعليم العميق مساعدة ممتازة للمعماريين بخصوص توليد تصاميم مبتكرة جداً لم يسبق أن رأينا مثلها من قبل. كما أنه ولقد رأى معظمنا التصميم الافتراضي الذي قام به أحد المعمارين لمبنى مستوحى من شريحة حبة الليمون. ورغم أنه كان تصميماً فقط ولم يدخل التنفيذ بعد؛ إلا أنه أوضح بشكل كبير الإمكانيات التي يمكن أن يقدمها تكامل التعليم العميق مع الذكاء الاصطناعي في تقدم تصاميم مستوحاة من أشكال الطبيعة ومعقدة. حيث مثل هذه التصاميم لا يمكن حتى تصميمها بدون الاستعانة بتلك التقنية الثورية.

تحسين عملية البناء

 

1. الجدولة والتخطيط
لا بد أن الكثيرين منا قد سمعوا عن برامج بريمافيرا Primavera وإم إس بروجيكت MS Project المتخصصة في إدارة المشاريع، والتي يندرج تحتها موضوع التخطيط والجدولة. وهنا يبرز الذكاء الاصطناعي من جديد ليقدم المعونة فيما يتعلق بتحليل البيانات التاريخية والظروف الحالية والمتوقعة لتعديل الخطط الزمنية بما يتناسب مع نتائج التحليلات التي قام بها. الأمر الذي سينعكس إيجابياً على تخفيض أزمنة التأخير والتكاليف.

2. مراقبة الجودة
بما أن الذكاء الاصطناعي ساهم في عملية التصميم، فهو جدير بأن يكتشف أي خطأ معماري أثناء التنفيذ والبناء. ويتم ذلك بتزويده بالصور الملتقطة لمراحل تقدم البناء أولاً بأول ليتعرف وبشكل فوري على أي خطأ أو خلل أو اختلاف عن التصميم مهما كان طفيفاً. وهذا ما سيجعل المهندس المنفذ يبادر إلى تلافي ذلك الخطأ قبل أن يصل به إلى مرحلة لا يمكن بعدها العودة أو تستوجب تكاليف جمة لإصلاحها.

الذكاء الاصطناعي وإدارة المباني

 

1. إدارة الطاقة
لا بد لكل من زار مدينة أبو ظبي في الإمارات العربية المتحدة أنه رأى البرجين الشهيرين والمسميان بالبناء الأخضر؛ إشارة إلى صداقته للبيئة واستدامته. حيث تم تزويد المبنى من ثلاثة زوايا (باتجاه الشمالية لأنها لا تواجه الشمس) بصفائح مانعة للحرارة والضوء والتي تتغير زواياها بشكل آلي مع زواية وصول الشمس إلى المبنى لتمنع دخولها إليه، وبالتالي تخفيض درجة الحرارة بداخله إلى الحد الأقصى الممكن.

وهذا ما سوف ينجم عنه تقليل في استهلاك التكييف وبالتالي استدامة للمبنى ومنفعة للبيئة. أما دور الذكاء الاصطناعي في الأمر فهو الذي يحلل بيانات استهلاك الطاقة والحرارة التي يتلقاها المبنى المذكور، ليقوم بإدارة التبريد بشكل فعال بناءً على تلك البيانات.

2. الصيانة التنبؤية
يتم تزويد المباني الحديثة والتي يُطلق عليها تسمية المباني الذكية بحساسات ترصد كل ما يجري في المبنى. ويقوم الذكاء الاصطناعي بأخذ المعلومات الواردة من تلك الحساسات وتحليلها، ليكتشف أية تغييرات حاصلة أو محتملة والتي قد تُنذر بحدوث مشكلة. حيث يقوم فوراً بإبلاغ المسؤولين عن صيانة المبنى لتلافي العطل المتوقع تجنباً لتفاقمات لا تحمد عُقباها.

3. تحسين تجربة المستخدم
ويستمر الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات بشكل فعال في الأبنية الذكية. حيث يمكن الآن تحسين تجربة من يعملون أو يسكنون في تلك المباني، وذلك عبر قيام الذكاء الاصطناعي بتقدم خدمات مخصصة لكل فرد، مثل درجة الحرارة والإضاءة. فضلاً عن تقديم مسارات للحركة المُثلى داخل المباني الخاصة بالشركات.

التحديات والأخلاقيات

 

لطالما ارتبط عمل الذكاء الاصطناعي بالبيانات وتحليلها، وهذا ما يجعل تلك البيانات غير محمية أمنياً. وخاصة في حالة اختراق الأنظمة التي تحتويها، ويجب التنبه دائماً إلى تعزيز الأمن السيبراني لأن سرقة البيانات قد تعرض الأفراد لخرق خصوصيتهم أو إلى مشاكل أبعد من ذلك، مثل ابتزازهم أو حتى تعريض حياتهم وحياة أسرهم للخطر.

ومن جهة أخرى، فإنه من الضروري جداً التأكد من نزاهة المبرمجين الذين يزودون أنظمة الذكاء الاصطناعي بالمعلومات. وذلك لأجل ضمان عدم حصول أي تحيز في المخرجات، والذي سينجم بالتأكيد عن تحيز في المدخلات والبرمجيات.

وأخيراً فلا بد من سن تشريعات وقوانين تضبط انتشار الذكاء الاصطناعي وتسخيره ليكون عوناً للإنسان وليس بديلاً عنه لأن الخيار الثاني فيه تهديد على فرص العمل وبطالة محدقة.

الابتكارات المستقبلية

 

1. التصميم التوليدي
وصلت التكنولوجيا في يومنا هذا إلى ما بات يُعرف بالتصميم التوليدي. حيث يتم تزويد أنظمة الذكاء الاصطناعي بكل المعلومات والمتطلبات المتعلقة بتصميم المبنى المطلوب، ليقوم الأخير بتقدم عدة مقترحات للتصميم وبسرعة فائقة. حيث كان يحتاج الإنسان إلى أيام وأشهر لتوليد كل تصميم منها. وسوف تستخدم تقنية التصميم التوليدي للتركيز على تصاميم المباني المستدامة. نظراً لكثرة البيانات التي يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار قبل عملية التصميم.

2. التوأم الرقمي
ومتابعة للفقرة السابقة؛ فإن المقترح الناجم عن التصميم التوليدي يسمى التوأم الرقمي. وذلك لأنه يسمح للمصممين التعامل مع ذلك التصميم على أنه نسخة رقمية من المبنى المزمع إنجازه، وهذا ما سيقدم لهم الدعم في توفير تصورات دقيقة حول أداء المبنى وصيانته وعملياته اليومية للتوصل إلى جعله أكثر كفاءة وفعالية واستدامة أيضاً

وختاماً، فلقد قدم الذكاء الاصطناعي نموذجاً متميزاً للتعاون بين الهندسة المعارية والتكنولوجيا. وذلك ابتداءً من التصميم الأولي للمبنى، ومروراً بمراقبة تنفيذه وكشف الأخطاء أولاً بأول، وصولاً إلى تشغيله وإدارته. بالإضافة إلى رصد الأعطال المحتملة لزوم صيانتها فوراً.

ورغم التحديات الأخلاقية التي تواجه الذكاء الاصطناعي فيما يتعلق بأمن المعلومات؛ إلا أن الخدمات التي قدمها للهندسة المعمارية تفوق تلك الأخطار. وسوف نشهد مستقبلاً المزيد من التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. والتي ستقدم لنا حلولاً لمشاكل كانت تعتبر مومنة. بالإضافة إلى ابتكارات لم تكن لتخطر ببال أحدنا من قبل.

ياسر مهندس

ياسر مهندس

متخصص في تجارب وتكنولوجيا السيارات

كاتب متخصص في عالم السيارات، يحمل شغفًا لا ينضب يمتد لعقود في كل ما يتعلق بالسيارات. يشاركك من خلال مقالاته أحدث الأخبار والتحليلات العميقة حول كل جوانب السيارات، مما يجعل عالم السيارات أقرب وأسهل فهما لجميع القراء.

اقرأ أيضاً

الذكاء الاصطناعي في تحسين نظم الدفع الالكترونية

يشهد العالم في عصر التكنولوجيا المتسارع الذي نعيشه اليوم،  تحولًا رقميًا شاملاً يؤثر في جميع جوانب حياتنا. ومن أبرز المجالات التي استفادت من هذه الثورة التكنولوجية هو قطاع المدفوعات المالية. أصبحت نظم الدفع الالكترونية جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، سواء كانت عبر...

الذكاء الاصطناعي في تحليل النصوص القانونية

أصبح الذكاء الاصطناعي (AI) في عصر الثورة الرقمية الذي نعيشه اليوم أحد الأدوات الرئيسية. والتي تسهم في تحسين مختلف المجالات المهنية، بما في ذلك المجال القانوني. فمع تزايد تعقيد القوانين والنصوص القانونية، أصبحت الحاجة ملحة لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل هذه...

الذكاء الاصطناعي وتطوير الروبوتات الجراحية

شهدت مجال الجراحة تحولًا جذريًا في السنوات الأخيرة بفضل التقدم التكنولوجي. وكان الذكاء الاصطناعي (AI) أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في هذا التحول. إذ أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا محوريًا في تطوير الروبوتات الجراحية التي تعمل على تحسين دقة العمليات الجراحية وتقليل...