لم تسلم الهندسة المدنسة والإنشائية من دخول الذكاء الاصطناعي إليها AI وتقديمه لمساهمات كبيرة فيها وخاصة أنها من أهم أنواع الهندسة. كونها تُعنى بالبنى التحتية والركائز الأساسية للمدن والبلدات والطرق.
وسوف نتناول اليوم كيفية اعتماد الهندسة المدنية في مراحل التصميم والتنفيذ على الذكاء الاصطناعي. مع بيان أهم الابتكارات والحالية والمستقبلية بالإضافة إلى التحديات والصعوبات التي تواجه ذلك.
الذكاء الاصطناعي في تصميم المشاريع الهندسية
1. تحسين عمليات التصميم
يساهم الذكاء الاصطناعي في عمليات التصميم بالتكامل مع تقنيات التعليم العميق Deep Learning والشبكات العصبية Neural Networks. حيث يمكن للبرامج التي تعتمد على تلك التقنيات تحليل البيانات الضخمة المتعلقة بأي مشروع، ومن ثم اقتراح تصاميم تلبي طلبات المقاول أو صاحب المشروع. والتي ستكون بالنتيجة احتياجات لمن سيستخدمون المبنى، سواءً أكانوا سكاناً أم موظفين.
2. المحاكاة والنماذج الرقمية
يمكن اليوم باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد ولكنها رقمية (بمعنى أنها تُعرض على الشاشات فقط). حيث يتم بموجب تلك النماذج القيام بكافة التجارب والدراسات على المبنى، والتي ستكون بمثابة الأعمال والمهام التي ستتم خلاله بعد تنفيذه. حيث سيظهر من خلال تلك التجارب أي خلل أو خطأ في التصميم أو أي ابتعاد عن المعايير الهندسة ومتطلبات السلامة، لتتم المبادرة إلى تلافيها فوراً.
3. التصميم التوليدي
يختلف هذا التصميم عن النموذج الرقمي الذي ذكرناه في الفقرة السابقة في أنه يعتمد على الذكاء الاصطناعي في إنشاء تصاميم جديدة ومبتكرة تعتمد على مجموعة من المُدخَلات والمعايير التي يتم تحديدها بشكل مسبق. حيث يمكن هنا الحصول على حلول تصميمية متعددة الخيارات وهذا ما سيمنح المهندسين مرونة أكبر في تحقيق مبتغاهم من التصميم.
الذكاء الاصطناعي في تنفيذ المشاريع الإنشائية
1. الروبوتات والآلات الذكية
تقوم الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي الآن بالقيام بمعظم الأعمال التي كان يقوم بها العمال أو التي كانوا يستخدمون فيها آليات ومعدات ثقيلة. ونذكر من هذه الأعمال الحفرمن أجل الأساسات، واللحام من أجل تحضير الصبة البيتونية أو الهيكل المعدني إذا كان المبنى سيُكسى بالزجاج، ووضع الحجارة وصفّها إذا كان المبنى سيُكسى بالحجر بالإضافة إلى صب البيتون (الخرسانة).
ويضمن استخدام تلك الروبوتات الحصول على نتائج أسرع بدقة أعلى. الأمر الذي ينعكس إيجابياً على سرعة إنجاز البناء بشكله النهائي. ولا ننسى أن الاعتماد على الروبوتات يقلل استخدام القوة العاملة والأخطاء البشرية الناجمة عنها.
2. مراقبة الجودة
حتى تتم مراقبة الجودة، فإننا يجب أن نقوم بتزويد برامج وأنظمة الذكاء الاصطناعي بصور دائمة توضح مراحل الإنجاز في المشروع. وباعتبار أن الذكاء الاصطناعي قد ساهم في عملية التصميم، فإنه سوف يكتشف فوراً أي خلل أو مشكلة أو حتى عيوب أو أخطاء في التنفيذ. والتي سيقوم بإعلام فريق الإشراف بها، ليُصار إلى تلافيها فوراً قبل تفاقم الأمر.
3. الجدولة والتخطيط
يتكامل الذكاء الاصطناعي أيضاً مع إدارة المشاريع ويقدم خدمات جليلة للبرامج التي تقوم بالتخطيط ومتابعة التنفيذ لكل مشروع مثل بريرمافيرا Primavera وإم إس بروجكت MS Project. حيث يقوم بتحليل البيانات السابقة والظروف الحالية للمشروع بتعديل الخطة التنفيذية وجعلها أكثر دقة بكل ما تحتويه من موارد إنشائية وموارد بشرية وموارد مالية أيضاً. حيث تساهم كل تلك العوامل في الحد من أي تأخير فضلاً عن الكفاءة الأعل في التنفيذ.
الذكاء الاصطناعي وصيانة وإدارة البنية التحتية
1. الصيانة التنبؤية
يعتمد الذكاء الاصطناعي أيضاً على الحساسات وأجهزة الاستشعار المركبة في الأبنية والبُنى التحتية. حيث يقوم بقراءة البيانات الصادرة عن تلك الأجهزة، ويحللها. وذلك للتوصل إلى اكتشاف أي عطل محتمل قبل حدوثه. وهذا ما يمكّن المهندسين من القيام بعمليات الصيانة الوقائية، ويتجنبون بذلك الصيانات الطارئة، والتي ستكون ذات تكاليف أعلى. فضلاً عن الأضرار الجانبية التي قد تتسبب بها.
2. إدارة الطاقة واستخدام الموارد
يقوم الذكاء الاصطناعي بدراسة احتياجات المبنى من الطاقة فيصبح لديه تصور عن تلك الاحتياجات أثناء عملية التصميم. ويتمكن بذلك من إدراة الطاقة بعد إشغال المبنى عبر مقارنة الاستهلاكات الحالية بما تم دراسته، ليقوم باقتراح توصيات لتحسين الكفاءة وتقليل الهدر في حال كانت الاستهلاكات أعلى مما ورد في الدراسة.
كما يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين استخدام الموارد المادية والمائية. وذلك عبر قيامه بتحليل البيانات البيئية ثم اقتراح توصيات لتحسين الكفاءة والحد من الهدر. وكل ذلك يساهم في إنشاء أبنية وبُنىً تحتية مستدامة وصديقة للبيئة.
التحديات التي تواجه استخدام الذكاء الاصطناعي في الهندسة المدنية
1. التحديات التقنية
يُعَد التكامل بين الأنظمة الذكية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي والبُنى التحتية المُشيّدة هو التحدي الأساسي الذي يواجه الهندسة المدنية والذكاء الاصطناعي. حيث لا تزال تحتاج أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى تطوير خوارزمياتها لتكون أكثر دقة وفعالية في التعامل مع المعلومات والبيانات ذات الحجم الضخمة والكثيرة التنوع.
2. التحديات التنظيمية والقانونية
غالباً ما ينشأ هذا النوع من التحديات بسبب احتمالات خرق الخصوصية جراء اطلاع أنظمة الذكاء الاصطناعي على الكم الهائل من البيانات، أو جراء احتمالات اختراق تلك الأنظمة من قبل قراصنة المعلومات. والذين قد يعيثون فيها فساداً ويدمرونها أو يُخلون بطريقة عملها الصحيحة.
3. التحديات الاجتماعية والاقتصادية
تحدثنا خلال مقالتنا عن الروبوتات التي باتت تقوم بالكثير من الأعمال التي كان ينجزها العمال وما ساهمت به تلك الروبوتات من تخفيف استخدام القوى العاملة والأخطاء البشرية الناجمة عنها. ونتطرق الآن إلى تبعات الاستخدام المفرط لتلك الروبوتات، والذي قد يؤدي إلى خلل في ميزان القوى العاملة وبطالة قد لا تحمد عقباها. وهنا يجب تدارك هذا الأمر برفع سوية المعلومات المتوفرة للقوى العاملة لتصبح مؤهلة للتعاطي والتعامل مع التكنولوجيا المتطورة.
مستقبل الذكاء الاصطناعي والهندسة المدنية
1. الواقع المعزز والافتراضي
يسهل الاعتماد على تقنيات الواقع المعزز Augmented Reality والواقع الافتراضي Virtual Reality في استخدام نماذج تصميمية ثلاثية الأبعاد. بحيث تسمح للمهندسين بالقيام بكافة الأعمال الممكن القيام بها على الأبنية الحقيقية. وتشمل تلك الأعمال تعرض المبنى للرياح والعواصف والزلازل وكيفية تعامله معها، وردات أفعاله جراء حدوثها.
2. الطابعة الثلاثية الأبعاد
تقوم الطابعات الثلاثية الأبعاد اليوم والمدعومة بأنظمة الذكاء الاصطناعي بإنشاء مبانٍ كعقدة ودقيقة بسرعات لافتة. حيث يعتبر رأس الطابعة هنا هو فوهة صب الخرسانة أو حقن الاسمنت، والذي يمكن التحكم فيه وفق عدة خيارات وزوايا وسرعات. حيث سينتج عن تلك العملية تقليل في الهدر ودقة في التنفيذ فضلاً عن تحقيق تصاميم مبتكرة ومستدامة أيضاً.
وختاماً، تمكّن الذكاء الاصطناعي مع الهندسة المدنية والإنشائية من تحقيق تعاون مثمر جداً، حيث ساهم الـ AI في التصميم وودراسة استثمار المبنى عبر التوأم الرقمي. كما تمكن من دراسة التقلبات والأضرار التي يمكن أن تحصل على المبنى جرّاء الكوارث الطبيعية.
ومن جهة أخرى ساهم الذكاء الاصطناعي في إدارة المباني وتحسين جودة استخدامها وإضفاء طابع الاستدامة عليها. وسوف نشهد في المستقبل القريب والمنظور ابتكار المزيد من التقنيات التي تعزز هذا التعاون بين الذكاء الاصطناعي والهندسة المدنية والإنشائية. ولكن يجب التنبه بشكل دائم إلى تلافي التحديات والأخطار الناجمة عن التوغل الزائد للذكاء الاصطناعي في مجالات الحياة.

