ما هو النقل الذكي، وما هي العلاقة ما بين الذكاء الاصطناعي والنقل الذكي. وهل هناك أمثلة عملية مطبقة حالياً، وهل سيُحدِث ثورة في عالم المواصلات.
شأنه شأن الكثير من الصناعات ومجالات الحياة من ناحية دخول الذكاء الاصطناعي لها ومساهمته في تحسينها، يُعَد النقل بكافة أنواعه إحدى أكثر المجالات تأثراً بتلك التقنية الثورية. حيث نبدأ من السيارات الذاتية القيادة، والمدن المزودة ببنية تحتية مجهزة للتعامل مع تلك السيارات والتواصل فيما بين بعضها البعض، والأنظمة الذكية لإدارة المرور.
إذ سوف نتناول اليوم أحدث التقنيات والابتكارات والخدمات التي استفاد منها قطاع النقل من الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence AI والفوائد التي حصّلها قطاع النقل جراء تلك الأمور. وأخيراً التحديات والصعوبات ومن ثم مستقبل النقل الذكي.
تعريف النقل الذكي
ولنبدأ كعادتنا بتعريف النقل الذكي ليكون القارىء مُلماً بشكل كامل بكل ما سيرِد ضمن هذا المقال. بدايةً، يمكن اعتبار النقل الذكي من حيث المبدأ شبيهاً بالنقل العادي، إلا أنه حظي بعوامل مساعدة كثيرة. حيث أن هذه العوامل من شأنها أن تحسن كفاءته من جهة، وسلامة وراحة حركة المرور من جهة أخرى.
ونذكر من أهم تلك العوامل أنه يعتمد على استخدام أجهزة استشعار وكاميرات وشبكات اتصال مخصصة لهن. فضلاً عن أنظمة متطورة لتحليل البيانات بسرعات فائقة، وتقديم استجابات وقرارات آنية. بحيث تُسهم كل تلك العوامل مجتمعة في تقليل عدد الحوادث، بالإضافة إلى توفير الوقود للسيارات والباصات كون المرور بات أكثر سلاسة. وأيضاً لا ننسى توفير الوقت وتوتر التنقل للأشخاص الذين سيقطفون تلك النتائج.
دور الذكاء الاصطناعي في النقل الذكي
يمكن لقطاع النقل أن يستفيد من الذكاء الاصطناعي في عدة مجالات، منها ما بدأ تطبيقه بالفعل ورأينا أمثلة عملية عليه، ومنها ل يزال قيد الأبحاث والتطوير ونذكر هنا:
1. السيارات ذاتية القيادة
تعتمد تلك السيارات بشكل أساسي على الذكاء الاصطناعي مع استغناء عن السائق بشكل تام. حيث لقد شهِدنا بعض الأمثلة على تكاسي بدون سائق في أميركا. إضافةً إلى أنه يتم تزويد السيارة الذاتية القيادة بعدد كبير من الكاميرات والحساسات المثبتة في كافة أطرافها، بالإضافة إلى جهاز تحديد المواقع Global Positioning System GPS لترصد حركة محيطها بدقة. كما يتم تزويدها بنظام “ليدار LIDAR” وهو نسخة مطورة من نظام الرادار الخاص بالطائرات ولكنه مخصص لهذا النوع من السيارات.
إذ تقوم كل التجهيزات مجتمعة، وبالتعاون مع كمبيوتر السيارة ذو المعالج الخارق بتحليل كافة البيانات الواردة من كل تلك التجهزات بسرعات عالية جداً. إضافةً إلى اتخاذ القرار الفوري والآني بناءً على تلك البيانات. وهو الأمر الذي يضمن عدم حدوث أي اصطدام.
2. الإدارة الذكية للمرور
تقوم الحواسيب المتطورة والمزودة بمعالجات متقدمة بتحليل حركة المرور. حيث يتم ذلك عبر قراءة البيانات لكافة السيارات والآليات الأخرى التي تسير في الشارع، وذلك بالتعاون مع نظام GPS. ومن ثم تحدد المسارات الأسهل والأسلس للسيارات والآليات الأخرى درءً للاختناقات المرورية وما يتبعها.
3. التنبؤ بالحوادث
طالما أن الإدارة الذكية للمرور باتت مطلعة على بيانات كافة السيارات المتواجدة في الشارع بالتعاون مع نظام GPS، فإن تلك الإدارة ستكتشف عل الفور أي احتمالية لحصول حادث. كما أنها سوف تبادر على الفور إلى إرسال تحذير لسائقي السيارات المعنيين بالحادث المتوقع.
4. أنظمة النقل العام
ومع تمكن الإدارة الذكية للمرور من رصد بيانات كافة الآليات، فإنه بات بإمكانها تقديم برامج وجداول دقيقة جداً للنقل العام. حيث تظهر فيها مواعيد الوصول والانطلاق بدقة عالية جداً. الأمر الذي يجعل التنقل والسفر أسهل وأكثر فعالية.
أحدث الابتكارات في النقل الذكي
حقق التقدم العلمي الذي يمكن وصفه بالمثابر خطوات وقفزات عديدة. وأيضاً مع وجود الذكاء الاصطناعي، فإن الابتكارات التكنولوجية التي تم تقديمها كانت متميزة بالفعل. وسوف نتطرق إليها في عُجالة.
1. المركبات الكهربائية ذاتية القيادة Electric Autonomous Vehicles
تتميز السيارت الكهربائية بأنها لا تُصدر أية انبعاثات سامة في الجو. وبالتالي، فهي صديقة للبيئة. لكن تتميز أيضاً أنها تدعم مفهوم الاستدامة، والالتزام به وبمعاييره. بالإضافة إلى صداقتها للبيئة، يتوفر لبعض تلك السيارات نظام قيادة ذاتية. حيث من أبرز الشركات الرائدة في هذا المجال نجد تسلا Tesla ،الأمريكية جوجل google أيضاً.
2. الطائرات الصغيرة ذاتية القيادة Drone Delivery
قد يتم استخدام تلك الطائرات لتوصيل الطرود والبضائع ذات الأحجام الصغيرة أو الأوزان الخفيفة وإلى مسافات ليست ببعيدة وتبقى من حدود المدينة. وذلك بمدى لا يتجاوز 50-70 كم في أحسن الأحوال. حيث هي التي من شأنها أن تخفف الضغط على الطرق وحركة المرور. علاوة على ذلك، نجد من أهم الشركات الرائدة في هذا المجال عملاق التسوق الالكتروني أمازون Amazon.
3. أنظمة مشاركة الركوب Ride Sharing
تُعتبر شركة أوبر Uber رائدة في مجال التوصيل. سواء أكان ذلك ضمن سيارات الأجرة المملوكة لأصحابها، أو عبر خدمة مشاركة الركوب. والتي يمكن تلخصيها في إمكانية أن تأخذ معك بعض الركاب في سيارتك إذا كان طريقكما واحداً. حيثما يقوم الذكاء الاصطناعي في تحليل طلبات الراغبين في مشاركة المركوب، إضافةً إلى مقاطعة تلك الطلبات مع الراغبين بتقديم هذه الخدمة في سياراتهم. حيث يتم ذلك باستخدام خوارزميات ذكية وسريعة، والتي من شأنها أن تضمن حصول الطرفين على الخدمة ضمن مجال سير السيارة وبأسرع وقت.
4. البُنى التحتية الذكية Smart Infra Structure
من ناحية أخرى، تساهم تلك البُنى في تسهيل حركة المرور داخل المدن وجعلها أكثر سلاسة ومرونة. حيث يتم ذلك عبر معالجة البيانات الواردة من جميع السيارات وتحليلها، إضافةً إلى اتخاذ القرارات بناءً على ذلك. إذ تستخدم تلك البُنى إشارات مرور ذكية وأجهزة استشعار للطرق.
فوائد النقل الذكي
بينما تحدثنا عن دور الذكاء الاصطناعي وابتكاراته، سنتحدث الآن عن أهم فوائده. حيث لم يدخل الذكاء الاصطناعي إلى صناعة إلا وحقق فيها الكثير وأمّن لها مكتسبات لم تكن تحصل عليها قبل دخوله. وبشكل أوسع؛ سوف نستعرض الآن أهم المكتسبات التي حققها قطاع النقل جراء اعتماده على الذكاء الاصطناعي:
1. تحسين السلامة
أصبحت أنظمة الإدارة الذكية للمرور قادرة على رصد حركة جميع السيارات. وبالتالي، بات بإمكانها التنبؤ بما سيحصل. سواء أكان حادثاً، أو اختناقاً مرورياً، أو تخطيط سير لموكب مسؤول أو خلافه. وفي النهاية نجد أيضاً تنبيه سائقي السيارات إلى ذلك. هكذا، يتم التوكيد على تحسين السلامة لكافة مستخدمي الطريق.
2. توفير الوقت
يعاني الكثيرون من توتر ازدحام السير والاختناقات المرورية ولعل من يقيم في الشارقة/الإمارات العربية المتحدة ويعمل في دبي يُدرك تماماً هذا الكابوس اليومي صباحاً ومساءً. وبالتالي، فإن اعتماد الأنظمة المروية على الذكاء الاصطناعي بات من شأنه أن ينعكس إيجابياً على حالات التوتر تلك. فضلاً عن توفيره الوقت والجهد على السائقين، وبالإضافة إلى توفير الوقود وتخفيض الانبعاثات.
3. تخفيض التكاليف
يساهم النقل الذكي اليوم في تخفيض التكاليف المتعلقة بعملية النقل بشكل عام. إضافةً إلى ما يتبعها من استهلاك للوقود، وتقصير لعمر السيارة جراء تعرضها لساعات عمل أكثر وضمن ظروف قيادة بطيئة تكثر فيها الاقلاعات والتوقفات. وأيضاً لا ننسى أن تخفيض تكاليف النقل وتحسين سلاسة المرور سينعكس إيجابياً على مسألة الاستدامة وحماية البيئة. وبالتالي انخفاض نسبة الانبعاثات من الغازات السامة.
التحديات التي تواجه النقل الذكي
1. الأمن السيبراني
بما أن النقل الذكي يعتمد بشكل أساسي على البيانات والمعلومات، فإن ذلك سيجعله عُرضةً للاختراق من قبل قراصنة المعلومات. علاوة على أنه قد يتسبب بمشاكل جمة إذا ما عبث بإعدادات أنظمة النقل الذكي. وفي النهاية، هذا ما قد ينجم عنه حوادث أو حتى كوراث مرورية.
2. الخصوصية
من ناحية أخرى، تتطلب بعض أنطمة النقل الذكي استخدام البيانات الشخصية للأفراد. وذلك مثل مشاركة الركوب، والسيارات ذات القيادة الذاتية. وفي النهاية هذا يُعرّض بيانات هؤلاء الأفراد للاختراق وهتك الخصوصية المتعلقة بهم. وهذا ما قد يعرضهم للابتزاز أو أية مشاكل قانونية أخرى.
3. البنية التحتية والتشريعات المرافقة
إن تنفيذ أنظمة النقل الذكي في المدن يتطلب ميزانيات واستثمارات ضخمة لا تستطيع كافة الدول تحملها. فضلاً عن تضافر جهود جميع الجهات لتحقيق تطبيق النقل الذكي بشكل ناحج وفعال، وهذا أيضاً ما نفقده في الكثير من الدول. وتحتاج الدول للاتفاق والتنسيق فيما بينها لوضع قوانين تنظم وتضبط استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتكون متاحة بالحد الأقصى ودون المساس بخصوصية الأفراد.
مستقبل النقل الذكي
1. المدن الذكية
سيصبح بإمكان البُنى التحتية للمدن الذكية أن تتكامل في عملها مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وذلك للتوصل إلى بيئة حضارية للنقل تتمتع بالراحة والاستدامة. فضلاً عن تعزيز كفاءة النقل.
2. التنقل وفق تقنية “ماس MaaS”
تؤمن هذه التقنية إمكانيات اختيار وسيلة التنقل (سيارات، باصات، دراجات، قطارات، مترو، تكسي طائر،….) التي يرغب بها الأفراد عبر منصة واحدة فقط. وهو الأمرالذي يوفر مرونة هائلة وخيارات كثيرة لهم في اختيار ما يتناسب مع ظروفهم.
3. الذكاء الاصطناعي التعاوني
سيصبح بإمكان الذكاء الاصطناعي تحسين التنسيق بين متخلف وسائل النقل. الأمر الذي يرفع من سوية التعاون فيما بين بعضها البعض. وهذا سينعكس بالنتيجة على كفاءة نظام النقل الذكي بشكل عام، فضلاً عن تخفيض حجم التحديات التي يتعرض لها.
4. تطوير التكنولوجيا اللاسلكية
مع تطور أنظمة الاتصالات وظهور تقينة الجيل الخامس منها 5G والتي تُعتبر عصب العمل لما يسمى بـ أنترنت الأشياء، فإن تلك التقينات سوف تحسن من واقع تواصل المركبات مع بعضها البعض فيما يشبه تخاطب البشر فيما بينهم. وهذا ما يعزز من عوامل السلامة والكفاءة لأنظمة النقل الذكي.
وختاماً، فإن دخول الذكاء الاصطناعي إلى قطاع النقل حقق وسوف يحقق مكتسبات جمة وهائلة، والتي لم يكن بالإمكان تحقيقها في قطاعات أخرى. ونذكر من أهم تلك المكتسبات تحسين السلامة وكفاءة الطاقة وتسهيل التنقل. وكل ذلك يُسهم شكل فعال في خلق مستقبل أفضل أكثر إشراقاً لقطاع النقل.
ولكن يجب التنبه بشكل دائم إلى مسائل الأمن السيبراني وتوفير الحماية اللازمة لتلك الأنظمة لأن اختراقها قد يؤدي إلى كوارث سيئة.

