دخل الذكاء الاصطناعي إلى الكثير من جوانب الحياة والفعاليات المحيطة بها، ومن بينها المجال الطبي حيث ساهم بشكل فعال في تحسين الأداء وتوفير الوقت فضلاً عن تقديم نتائج وتشخصيات أكثر دقة مما قد يقوم به بعض الأطباء.
وإذا أردنا أن نخوض في دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال الطب والصحة بشكل أعمق، فسوف نتناول اليوم موضوع الذكاء الاصطناعي والعمليات الجراحية من ناحية التخطيط لتلك العمليات ومن ثم تنفيذها ومن ثم متابعة المرضى بعد العملية وإلى أي درجة ساهم الذكاء الاصطناعي في تقديم المساعدة للجراحين والمرضى.
التخطيط الجراحي والتحليل
1. تحليل البيانات والتصوير الطبي
بامتلاكه قواعد بيانات ضخمة تحتوي على كم هائل من المعلومات المتعلقة بمرضى سابقين عبر الزمن واطلاعه الدائم على قاعدة البيانات تلك مم إمكانياته الخارقة في سرعة معالجة البيانات التي بداخلها وتحليلها، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقوم بتشخيص التحاليل الطبية والصور الشعاعية بدقة عالية جداً وذلك بالاعتماد على تقنية التعليم العميق،.
ويساهم هذا التشخيص العالي الدقة في تحديد مكان الإصابة لدى الإنسان والذي يجب أن تتم العملية الجراحية عنده أو في محيطه وبمنتهى الدقة وهذا ما يضمن عدم حدوث أي خطأ بشري وبالتالي خطر تجنب أي خطر على حياة الإنسان.
2. النمذجة والتشبيه الافتراضي
يساهم الذكاء الاصطناعي أيضاً ف مساعدة الأطباء الجراحين على القيام بتجارب عديدة قبل الشروع بالعمل الجراحي المقرر وذلك باستخدام نماذج ثلاثية الأبعاد للعضو أو المكان أو النسيج المراد إجراء العمل الجراحي له.
وهذا يمكن الجراحين من الخوض في الجراحة الافتراضية وتجريب كل الاحتمالات الممكنة مع رصد النتائج والتبعات لكل احتمال أو حل يقومون به وهذا ما يساعدهم على تحديد الاستراتيجية التي سينتهجونها قبل الشروع في العمل الجراحي الفعلي مع الإنسان الحقيقي.
العملية الجراحية والروبوت
1. الروبوتات الجراحية والذكاء الاصطناعي
تقدم الروبوتات الجراحية مساعدات جمة للأطباء كونها تستطيع القيام بأدق الاعمال وفي أصعب الأماكن وأكثرها حرجاً أو أكثرها حساسية والتي تتطلب عملاً متقناً جداً فضلاً عن كونه عالي الدقة ولا يُسمح فيه بأي ابتعاد عن البقعة المحددة للجراحة ولو بمليمتر واحد.
وتتلخص مهمة الذكاء الاصطناعي بالتحكم بتلك الروبوتات بطريقة تسمح بالتدخل البشري أيضاً ولو كان ذلك عن بعد أو حتى في مستشفى آخر، أو حتى في مدينة أخرى أو دولة أخرى بفضل التقنيات المتقدمة للاتصالات.
2. تقنيات التعليم الآلي وتحسين الدقة
وبعد قيام الروبوتات بعدة عمليات جراحية فإنها تبدأ بالتعلم واكتساب الخبرة وفق تقنية التعليم الآلي والتي تمكن تلك الروبوتات من تحليل البيانات المتعلقة بالكم الهائل للعمليات الجراحية السابقة وهذا ما يمكن تلك الروبوتات من تحسين أدائها لتصبح قادرة على القيام بالقطع الجراحي في المكان المحدد بالضبط فضلاً عن الثبات والاستقرار في عملية القطع والتي ستتحقق بدون أية اهتزازات الأمر الذي يضمن شفاءً أسرع للجرح بعد العملية وتخيض نسب المضاعفات التي قد تنجم عن أي خلل أو خطأ أنثاء القطع.
المتابعة والرعاية بعد العملية
1. مراقبة الحالة الصحية والتنبؤ بالمضاعفات
ويستمر دور الذكاء الاصطناعي حتى بعد إجراء العملية، إذا يقوم بمراقبة الوظائف الحيوية للمريض من ضغط الدم ونسبة الأكسجة ومعدل ضربات القلب والتنفس ليقارن تلك القراءات بالبيانات المخزنة لديه في قاعدة البيانات حيث سيتمكن فوراً من اكتشاف أي خلل في الوظائف الحوية للمريض ليقوم بإبلاغ كادر التمريض أو حتى الطبيب بذلك الخطأ عبر إشعار أو رسالة قصيرة للمبادرة إلى حله فوراً وقبل تفاقمه وتحوله إلى مشكلة قد تُودي بحياة المريض.
2. الرعاية الشخصية وإدارة الألم
وبما أنه من الطبيعي بعد العمل الجراحي أن يتألم المريض وخاصة بعد زوال المخدر من جسمه، فإن الذكاء الاصطناعي يتدخل هنا أيضاً في إدارة الألم وذلك بقيامه بتحليل البيانات الحيوية للمريض مع معرفته بنوع العمل الجراحي الذي خضع له، ليقوم نتيجة لذلك باقتراح العلاج اللازم والجرعة اللازمة من المسكن فضلاً عن نوع الطعام الذي يناسب المريض وحالته الصحية الحالية.
التدريب والتحسين المستمر
1. تحليل البيانات الجراحية والتغذية الراجعة
ويقوم الذكاء الاصطناعي أيضاً بمراقبة الفيديوهات التي تم تصويرها أثناء الجراحات السابقة ومن ثم يقوم بتحليل البيانات الواردة فيها من ناحية طريقة التخدير وطريقة القص الجراحي ومن ثم طريقة إجراء الجراحة بحد ذاتها وصولاً إلى التقطيب وإغلاق الجرح ومن ثم إنعاش المريض، ثم يقوم نتيجة لكل ذلك بتقديم توصيات للأطباء فيما يتعلق بتحسين الأدء لكل مرحلة من المراحل التي تم ذكرها آنفاً وهذا ما يساهم بشكل عام في جودة العمليات الجراحية.
2. التدريب والتعليم في المجال الطبي
ولعل من أهم المساعدات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي هي توفير التدريب للجراحين الجدد وذلك عبر تمكينهم من خوض تجرب جراحية افتراضية بالاعتماد على المحاكاة وبمساعدة تقنيات لواقع المعزز والواقع الافتراضي، وهذا ما سيجعلهم يتعلمون من جهة ويكتسبون خبرة من جهة أخرى والأهم أن كل ذلك يتم في بيئات آمنة ليس فيها أي خطر على حياة المريض كونه لا يوجد مريض بالأصل.
التحديات والأخلاقيات
1. تحديات التقنية والبنية التحتية
تحتاج كل المساهمات والمساعدات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي لمجال العمليات الجراحية والتي تطرقنا إليها في مقالنا إلى بنىً تحتية متقدمة وضخمة ذات تكاليف باهظة والتي لا تستطيع كل المستشفيات تأمينها فضلاً عن التدريب المكثف الذي تحتاجه الكوادر الطبية للتعامل مع تلك التجهيزات المتقدمة. ومن جهة أخرى سنتعرض مرة أخرى لخرق الخصوصية والناجم عن اطلاع الذكاء الاصطناعي للكم الهائل من البيانات والذي قد يؤدي إلى تهديد سيبراني عام أو فردي على مستوى الأفراد.
2. القضايا الأخلاقية
وبما أن الذكاء الاصطناعي سيطلع على بيانات المرضى بشكل كامل فإن ذلك يستوجب أخذ موافقاتهم قبل الشروع بأي إجراء جراحي. كما أنه من الضروري جداً أن تكون البرمجيات والخوارزميات التي تعالج تلك البيانات على درجة عالية من النزاهة والشفافية بحيث تضمن عدم تسريب أي منها أو عدم استخدامها بتحيز، فضلاً عن ضمان استخدامها لغايات طبية فقط.
مستقبل الجراحة والذكاء الاصطناعي
من المتوقع أن نشهد قريباً تحسيناً وتطويراً في تقنيات الرؤية الحاسوبية والتي ستنعكس إيجابياً على زيادة الدقة المتوفرة للروبوتات الجراحية الأمر الذي سيجعلها أكثر دقة وحساسية في التعامل مع الأنسجة الحساسة.
كما أنه من الممكن أن نشهد قريباً توسعاً لانتشار الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي ليشمل جودة الرعاية الصحية والجراحات ذات الدقة العالية جداً وحتى العلاج الجيني الذي يتعامل مع المورثات والحمض الأميني للإنسان DNA بما يحتويه من بروتينات وتفاصيل عالية الدقة.
وختاماً، فلقد أثبت الذكاء الاصطناعي فعاليته في المجال الطبي وقدم خدمات إنسانية جليلة فضلاً عن المساهمة ولو بشكل غير مباشر في إنقاذ حياة الأشخاص وذلك نتيجة للدقة العالية التي تنفذ بها الروبوتات الجراحية مهامها.
كما نذكر مساهمات الذكاء الاصطناعي بعد العمل الجراحي واقتراح العلاجات والأغذية المناسبة للمريض، وأخيراً التدريب الافتراضي للأطباء الجدد والذي يمكنهم من تجريب العديد من الخيارات على حالات افتراضية، ودون أن ننسى أن المستقبل يعد بالمزيد طالما أن عجلة التكنولوجيا مستمرة بالدوران.

