ما هو التعلم العميق، وما الفرق بينه وبين الذكاء الاصطناعي. وما الرابط بين التعليم العميق والرسوم المتحركة. وكيف يمكن أن يساهم في إنشاء شخصيات وعوالم من الرسوم المتحركة الواقعية.
شهدت صناعة الرسوم المتحركة الكثير من التطورات مؤخراً وذلك باستخدام تقنيات جديدة مثل التعلم العميق Deep Learning. والذي يمكّن المصممين والقائمين على هذه الصناعة من إنتاج شخصيات وعوالم رسومية قريبة جداً من تلك الواقعية. وهكذا تحقق أعلى درجات الإقناع لدى المُشاهد.
وتعتمد تقنية التعلم العميق على الشبكات العصبية الاصطناعية. وذلك بُغية تعلم أنماط معقدة من البيانات، وبالتالي، تحسين دقة التفاصيل في الرسوم المتحركة. وجعل تلك التفاصيل تنبض بالواقعية والحياة.
وسوف نتناول في مقالنا اليوم كيفية استخدام التعلم العميق في إنشاء شخصيات وعوالم من الرسوم المتحركة التي يمكن وصفها بالواقعية والحقيقية. كما سنتحدث عن الفوائد والتحديات من هذه التقنية. وأخيراً، سنذكر بعض الأمثلة الناجحة في هذا المجال.
مفهوم التعلم العميق
يعتبر التعلّم العميق أحد فروع الذكاء الاصطناعي. كما يعتمد التعلم العميق في مبدأ عمله على الشبكات العصبية الاصطناعية ذات الطبقات المتعددة. وهكذا، تقوم البرمجيات والخوارزميات المتخصصة بعملية تدريب مكثفة ومعقدة لتلك الشبكات. وذلك باستخدام كمية هائلة من البيانات لجعلها تتعلم الأنماط وأدق التفاصيل. وفي النهاية هذا الأمر الذي يمكنها من تقديم نتائج دقيقة ومقنعة.
ومن أهم مجالات استخدام التعلم العميق التعرف على الصور، والرؤية الحاسوبية، ومعالجة اللغة الطبيعية. وفي الختام، فإن تلك العوامل تجعله من أقوى الأدوات في صناعة أفلام الرسوم المتحركة.
فوائد استخدام التعلم العميق في الرسوم المتحركة
1. تحسين دقة التفاصيل
يساهم التعلم العميق في إنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد وقريبة جداً من الواقع. كما يساهم في تحديد ملامح وجوه الشخصيات وحركات الجسم وتفاصيل الملابس. وكل ذلك بدقة عالية تضمن تحقيق الإفناع لدى المُشاهد. ويتمكن التعلم العميق من إنجاز كل تلك الأعمال عبر تحليله للبيانات الهائلة الحجم، لغاية تحسين دقة التفاصيل في الشخصيات والعوالم الرسومية.
2. تسريع عملية الإنتاج
ومن جهة أخرى، وباعتباره يعتمد على الحواسيب المتطورة في إنجاز المهام المطلوبة منه، فإن التعلم العميق يساهم في تسريع عمليات الإنتاج. حيث ذلك كونه يقوم بأتمتة العديد من المهام التي كانت تأخذ وقتاً طويلاً حين كان يقوم بها الإنسان. ومن ناحية أخرى؛ وعلى سبيل المثال، يمكن استخدام الشبكات العصبية لتقوم بتوليد حركات الأشخاص بشكل تلقائي.
3. إنشاء عوالم غنية وقابلة للتفاعل
وبالإضافة لذلك، يمكن أيضاً لتقنية التعلم العميق أن تساعد في تحسين المحيط الرسومي (البيئة الرسومية). وذلك بغاية إنشاء عوالم غنية ومقنعة، فضلاً عن جعلها قابلة للتفاعل. وهذا الأمر الذي يساهم بشكل واضح في إعطاء تفاصيل دقيقة للمظهر الذي سيقدمه الفيلم. سواء أكان منظراً طبيعياً، أم بحراً، أم جبلاً. وفي النهاية، كل ذلك يُسهم بشكل فعال في تقديم تجربة مشاهدة أكثر إقناعاً وجاذبية للمُشاهد.
تطبيقات التعلم العميق في إنشاء الشخصيات الرسومية
1. توليد الشخصيات
إذا استطعتَ توليد شخصية مُقنعة فلقد سلكت الطريق الصحيح في صناعة فيلم رسوم متحركة جذاباً ومُقنعاً. حيث تقوم الشبكات العصبية التي يعتمد عليها التعلم العميق بإنشاء شخصيات ثلاثية الأبعاد ذات دقة عالية وتتسم بالواقعية. كما تُركز على تفاصيل أخرى مثل إظهار تعابير الوجه، وتفاصيل البشرة والشعر، ولون العيون وحركتها. وهكذا، نجد من الأمثلة على ذلك نجد تطبيق: Generative Adversarial Networks-GANs المتألق في هذا المجال.
2. التحريك التلقائي
وبالإضافة إلى ذلك، وبعد أن انتهينا من توليد شخصية مُقنعة، آن الأوان لتحريك هذه الشخصية بشكل مُقنع أيضاً. كذلك ولأن عملية التحريك معقدة جداً وتتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، فإن تقنية التعليم العميق تُسهم بشكل فعال أيضاً في تحريك الشخصيات. كما تعتمد في عملها على حركات الأشخاص العاديين. الأمر الذي يمكنها من إنشاء رسوم متحركة يمكن أن ترقص أو تقفز أو تجري، وأيضاً تقوم بأي نشاط يقوم به الإنسان العادي.
3. تحسين تعابير الوجه
ولا ننسى أيضاً ضرورة أن تكون تعابير الوجه للشخصية الكرتونية مُقنعة للمُشاهد لجعلها تنجح في نقل المشاعر وتحقيق التفاعل مع الشخصيات الأخرى. وهنا يعود الفضل أيضاً لتقنية التعلم العميق. وهي التي تساعد بشكل فعال في تحليل وتوليد تعابير للوجوه تتسم بالدقة العالية، وأيضاً التي تجعلها مُقنعة للمُشاهد بشكل كبير.
تطبيقات التعلم العميق في إنشاء العوالم الرسومية
1. توليد البيئات الطبيعية
تقوم تقنية التعلم العميق بإنشاء بيئات طبيعية متميزة، والتي تشمل المناظر الطبيعية والتضاريس والبحار والأنهار والنباتات وغيرها. بالإضافة لذلك تقوم الشبكات العصبية بتحليل الصور الفوتوغرافية، ومن ثم تقوم بتوليد نماذج ثلاثية الأبعاد تعكس تفاصيل الطبيعة بدقة عالية. ومن أبرز التطبيقات في هذا المجال نجد Neural Radiance Fields-NeRF الذي يستخدم الصور لتوليد بيئات ثلاثية الأبعاد.
2. تحسين الإضاءة والظلال
يمكن اعتبار نظام Deep Light Transport (نقل الضوء العميق) الذي تستخدمه الكثير من الشركات مثالاً حياً وقوياً على موضوع تحسين الظلال والإضاءة. وذلك كونها تساهم بشكل كبير في إعطاء المشهد نفحة واقعية ومُقنعة. وبالتالي، هنا تقوم تقنية التعلم العميق بتحليل وتحسين الإضاءة بدقة كبيرة. وفي النهاية هذا ما ينتج عنه رسوماً متحركة غنية تتسم بدرجة عالية من الواقعية.
3. توليد المؤثرات البصرية
وبُغية اكتمال المشهد ووصوله إلى الإقناع التام، لا بد من توليد المؤثرات البصرية مثل النار والدخان والإنفجار والماء. وهنا يساهم التعلم العميق أيضاً في تحليل الحركة الديناميكة لهذه الظواهر. كما يقوم بتوليد تأثيرات بصرية دقيقة تجسدها. ومن أبرز التطبيقات في هذا المجال نجد FluidNet، الذي يتميز بإمكانية تحريك السوائل بدرجات إقناع مبهرة.
الشركات الرائدة في هذا المجال
1. ديزني ريسيرتش Disney Research
ليس بخافٍ على أحد أن هذه الشركة تعتبر الشركة الرائدة عالمياً في صناعة الرسوم المتحركة. كما ولقد ساهم الذكاء الاصطناعي والمرتبط بتقنيات التعلم العميق في تسارع قفزات تطور إنتاجات هذه الشركة. ومن جهة أخرى، تستخدم أيضاً ديزني التعلم العميق في تحسين حركات الشخصيات وتوليد تعابير مقنهة لوجوههم. ولقد طورت تقني خاصة من أجل ذلك والتي حملت الاسم: Deep Facial Animation والتي يمكن ترجمتها إلى: التعابير الوجهية العمقية للرسوم المتحركة.
2. بيكسار Pixar
ولا بد لنا أن نتطرق إلى شركة بيكسار أيضاً. والتي تعتمد اعتماداً كبيراً على الذكاء الاصطناعي المدعوم بتقنية التعلم العميق. وبناء على ذلك، يتم تحسين جودة الرسوم المتحركة التي تقدمها، عبر تقديم بيئات واقعية وحركات مُقنعة للأشخاص. كذلك تستخدم هذه الشركة تقنية Render Man لتحسين الإضاءة والظلال في إنتاجاتها.
التحديات المستقبلية
1. التكاليف
يحتاج استخدام الذكاء الاصطناعي والمرتبط بتقنية التعلم العميق إلى حواسيب ذات قدرات فنية وتقنية متقدمة جداً. وذلك كونها مزودة بمعالجات وبوردات عالية التقنية من جهة، ومؤهلة للقيام بالأعمال المعقدة بدقات وسرعات قياسية. وبالتأكيد هذا ما يجعل تلك التكاليف تقف عائقاً أمام انتشار هذه التقنيات على نطاق واسع أو بين الشركات الصغيرة أو حتى الأفراد.
2. الأخلاقيات
لا بد أن الكثير منا سمع وشاهد أخباراً حول عمليات التزوير وانتحال الشخصيات وتلفيق التُهم وفبركة الفيديوهات التي بات يقوم بها الذكاء الاصطناعي بالتكامل مع تقنية التعلم العميق. ونتيجة لذلك، لا بد من تشريع قوانين أخلاقية تضبط تلك التجاوزات. وفي النهاية، تضمن عدم حصولها، وذلك عبر فرض عقوبات مشددة على من يرتكبها.
3. التأهيل والتدريب
طالما أن معظم تلك التقنيات والبرامج التي تطرقنا إليها هي بيد كُبرى الشركات فقط، فإن العارفين باستخدامها هم القِلة التي تعمل في تلك الشركات. وبالإضافة لذلك، يجب أن تقوم الجهات المسؤولة ونقابات المهن التقنية بإقامة دورات تدريبية وتأهيلية للأشخاص الذي يمتلكون الموهبة أو الذين لديهم شغف في تعلم تلك التقنيات. لكي لا تبقى تلك الكفاءات حِكراً على بعض الأشخاص فقط.
وختاماً، فلقد أثبتت تقينة التعلم العميق أن لديها الإمكانيات الهائلة في المساهمة في كافة عوامل تحسين عملية الإنتاج للرسوم المتحركة. وذلك بدءاً من تصميم الشخصيات، مروراً بتعابير وجوه تلك الشخصيات وألونها وملابسها، وصولاً إلى تحريك تلك الشخصيات. والذي يتكامل مع المؤثرات الضوئية والبصرية أيضاً للوصول إلى فيلم رسوم متحركة واقعي ومقنع وجذاب.
ولكن لا بد لكل ذلك التقدم العلمي والإنجازات المحققة والتي ستتحقق مستقبلاً أن يتم ضبطها وقوننتها. بحيث لتكون متماشية مع الأخلاقيات التي تضمن عدم تسريب البيانات الشخصية أو انتهاك الخصوصية.

