إذا كان الذكاء الاصطناعي قد دخل إلى أبسط تفاصيل حياتنا. فمن باب أولى أنه دخل إلى الأمور المعقدة تقنياً والمتطورة. ومن تلك الأمور نجد صناعة الطيران بما تحتويه من طائرات وطيارين ومطارات وجداول طيران.
ولقد ساهم الذكاء الاصطناعي AI في تطور تلك الصناعة بشكل كبير جداً كونها من الصناعات المتقدمة تقنياً على صعيد كبير.
ويمكن تمثيل الذكاء الاصطناعي في هذا المجال على أنه مجموعة من التقنيات التي تسمح للحواسيب المتطورة جداً بمحاكاة ذكاء الإنسان. وتشكل تلك التقنيات التعليم الآلي Machine Learning وتحليل البيانات والتعرف على الأنماط.
وسوف نتناول اليوم كيفية مساهمة الذكاء الاصطناعي في تحسين صناعة الطيران وتطويرها. وماذا ينتظر هذه الصناعة في المستقبل بفضل استعانتها بالذكاء الاصطناعي.
دور الذكاء الاصطناعي في الطيران
1. التحكم الذاتي والطيران الآلي
تحتوي جميع الطائرات الحديثة على ما يسمى بالطيار الآلي. Auto Pilot والذي تتلخص مهامه بتقدم مساعدات جمة للطيار وتخفيف العبء عنه. أما التوجه الحديث الآن فهو نحو التحليق الآلي كلياً ودون الحاجة إلى طيار أصلاً.
ويقوم هنا الذكاء الاصطناعي بدور يفوق دور الطيار الآلي في الطائرات الحالية. وذلك من حيث تحليله لكافة البيانات المتعلقة بعملية التحليق والتي تشمل عوامل الطقس بكافة أنواعها كالرياح والأمطار والعواصف والثلوج وغيرها. بالإضافة إلى تحليل البيانات الميكانيكية المتعلقة بقطع الطائرة ومحركاتها وأجنحتها والمضخات الهيدروليكية المتوجداة فيها. والتي تتلخص وظيفتها في ضخ الزيوت إلى الأجنحة والذيل والعجلات لتأمين التحكم الأمثل بالطائرة.
ثم يقوم نتيجة لعملية تحليل البيانات باتخاذ قرار فوري وآني للتحكم بكافة حركات الطائرة من سرعة وارتفاع واتجاه فضلاً عن الهبوط والإقلاع.
2. الصيانة التنبؤية
كما يقوم الذكاء الاصطناعي بقراءة المعلومات الواردة من كافة الحساسات المركبة على أجزاء الطائرة. ليقوم بتحليلها أيضاً ومعرفة دقة عملها وأدائها ليكتشف فوراً أي اهتراء أو تلكؤ في عمل أي من التجهيزات. ويقوم كذلك بإرسال رسالة أو إشعار إلى فنيي الصيانة لتلافي ذلك الخطأ أو المشكلة قبل تطوره ليصبح كارثياً.
كما أن الصيانة الاستباقية قبل حدوث العطل تساهم بشكل كبير جداً في توفير الوقت والمال بالمقارنة مع الصيانة الاستدراكية. حيث أن الأخيرة تحصل بعد حصول العطل وتكلف أكثر فضلاً عن كول فترة التوقف اللازم لإجرائها.
3. تحسين كفاءة الوقود
ولا تتوقف مساهمات الذكاء الاصطناعي عند ما ذكرناه آنفاً. بل تمتد لتمشل أيضاً تحسين كفاءة الوقود عبر القيام بعمليات تحليل للبيانات المتعلقة بكافة الرحلات السابقة. وذلك من ناحية سرعة الرياح المواجهة للطائرة وارتفاع وسرعة الطائرة ووزن الطائرة. ليصل من تحليل تلك البيانات إل نتائج تساهم في تحسين المسار الجوي الأمثل الذي ستسلكه الطائرة والذي يضمن استهلاكاً أقل للوقود وكفاءة أكبر في تشغيل الطائرة.
الذكاء الاصطناعي في تصميم وتصنيع الطائرات
1. تصميم الطائرات
يقدم الذكاء الاصطناعي عدة خدمات أيضاً في مجال تصميم الطائرات. ولعل من أهم تلك الخدمات هي المساهمة في التوصل إلى تصميم على درجة عالية من الإنسيابية والذي يضمن اختراق الطائرة للهواء بفعالية وكفاءة عالية. وبحيث يكون الضجيج داخل مقصورتها ضمن الحد الأدنى. فضلاً عن تخفيض استهلاك الوقود أيضاً. ويقوم الذكاء الاصطناع بذلك عبر تحليل بيانات الطيران والنماذج الحاسوبية لتحسين تصميم الطائرة وإنسيابيتها.
2. التصنيع الذكي
ونقصد هنا استخدام الروبوتات في عملية تصنيع الطائرة. حيث تساهم تلك الروبوتات في تسريع عملية الإنتاج من جهة. وبنفس الوقت تقوم بالعمل بدقة عالية يمكن معها تجنب كافة الأخطاء التي قد يقوم بها البشر. وتشمل عمليات التصنيع التي ينجزها الروبوتات الكثير من الأعمال. مثل مراقبة عملية التصنيع بالكامل، وتجميع الأجزاء الخاصة بالطائرة. من ثم فحص عملية التجميع النهائي وإخضاعها إلى اختبارات حاسوبية تحاكي عملية الطيران بالطائرة وما يتبعها من ظروف ومتغيرات. ويتم بهذا اكتشاف أي عطل أو عيب في عملية التصنيع ليتم تلافيه فوراً.
3. تخطيط الموارد والإدارة
ولا ينتهي دور الذكاء الاصطناعي عند ذلك فقط. بل ويشمل أيضاً إدارة الموارد المتعلقة بعملية التصنيع للطائرة ككل. مثل إدارة العمليات اللوجستية وتحليل الطلبات الواردة وإدارة المخزون من قطع التصنيع. فضلاً عن تحديد أفضل الموارد لتوزيع المواد. ويساهم كل ذلك بشكل فعال في تخفيض التكاليف المتعلقة بعملية التصنيع فضلاً عن تحسين كفاءة سلسلة التوريدات.
الذكاء الاصطناعي وتجربة السفر
1. تحسين تجربة الركاب
باتت المنافسة في قطاع شركات الطيران محتدمة لأن الزبائن باتوا متطلبين إلى حد كبير. وهذا ما أجبر شركات الطيران على التسابق لإرضائهم. ويقوم هنا الذكاء الاصطناعي بتحليل بيانات الركاب وتقديم توصيات شخصية لكل راكب بناءً على رغبات وتفضيلات ذلك الراكب. ونذكرمنها اختيار المقاعد ما تحتويه من إمكانيات للتعديل ووسائل للراحة والترفيه. كما تساهم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات للركاب والإجابة على تساؤلاتهم واستفساراتهم على مدار الساعة.
2. إدارة الرحلات الجوية
ومن الأمور الهامة التي يبرع الذكاء الاصطناعي فيها نجد تنظيم جداول الطيران ومواعيد الرحلات الخاصة بشركات الطيران. إذا يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل البيانات المتعلقة بعوامل الطقس الحالي بالإضافة إلى التنبؤات الجوية المتوقعة. ليقترح تعديلات في مواقيت الرحلات الجوية لشركة الطيران تلك. وبحيث تساهم تلك التعديلات في تحسين الجداول الزمنية لرحلات الطيران بالإضافة إلى تقليل التأخيرات.
التحديات والمستقبل
1. التحديات التقنية
إن أي خطأ قد يتم ارتكابه في الطيران يعتبر كارثياً مهما كان ذلك الخطأ بسيطاً. لأن الطائرة في الجو وتحمل على متنها ما بين 200-800 راكب بحسب حجمها وسعتها. لذلك فإن التحديات التقنية التي تواجه دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالم الطيران تتمثل في موثوقية الأنظمة وضمان سلامتها. حيث يتوجب على الشركات أن تتاكد من عمل تلك الأنظمة بأمان وموثوقية عالية وفي جميع الظروف تجنباً لأي خطأ.
2. التحديات الأخلاقية والقانونية
طالما أن هناك بيانات يطلع عليها الذكاء الاصطناعي فإن هناك احتمالية لتسريب تلك البيانات. والذي قد ينجم عنه تهديد لأمن وسلامة الركاب وخاصة في قطاع الطيران. لذلك يتوجب على الحكومات والشركات تشريع قوانين صارمة تضمن عدم تسريب البيانات الشخصية واجعل استخدامها حصرياً لما جُمِعت من أجله.
ولكنا نبقى دائماً أمام مسألة كشف الخصوصية للبيانات التي يقوم بجمعها وتحليلها الذكاء الاصطناعي. ليتمكن من تقديم مساهماته في أي مجال ومن بينها مجال الطيران.
وسوف نشهد مستقبلاً تدخلاً أكبر من الذكاء الاصطناعي في هذا المجال. وذلك طالما أن عجلة التطور التكنولوجي سائرة بدون هوادة.
كما أنه من المنوقع أن نصل قريباً إلى تجربة طيران وتقنيات لم نكن نتوقع أن نراها. وقد تكون القيادة الذاتية الكالمة للطائرة وبدون طيار أصلاً والذي تطرح سؤالاً قوياً لكل مسافر: هل تقبل أن تسافر بطائرة بدون طيار؟ ولعل المستقبل القريب سوف يجيب على ذلك السؤال.
وختاماً، فلقد نجح الذكاء الاصطناعي أيضاً في الدخول إلى عالم الطيران. بدءً من الصناعة وما يلوذ بها من تصاميم وإنتاج ومراقبة جودة وروبوتات تقوم بعملية الإنتاج، مروراً بتقديم حلول متقدمة لتحسين السلامة والأمان، ووصولاً إلى تحسين تجربة الركاب وتنظيم جداول الطيران بما يتناسب مع الظروف الجوية الحالية والمتوقعة

